قصة هيئة العلماء في برنامج الإخوان بقلم الدكتور رفيق حبيب




تركز الهجوم على برنامج الإخوان الذي طرح على مجموعة من الكتاب لإبداء الرأي ، عن دور هيئة كبار العلماء فيما يخص التشريع ، أي دورها مع المجلس التشريعي . ولقد حدد البرنامج في الجزء الخاص بالأزهر الشريف ، تشكيل هيئة كبار العلماء والتي تقوم بانتخاب شيخ الأزهر وأكد البرنامج في الجزء الخاص بالتشريع أن هيئة كبار العلماء نفسها يجب أن تكون منتخبة من علماء الدين وأن تكون مستقلة عن السلطة التنفيذية .



وبهذا هدف البرنامج أولا إلى استقلال الأزهر الشريف عن السلطة التنفيذية استقلالا كاملا .

وهو ما يجعل لرأي العلماء استقلاله عن جميع السلطات، ويجعله قائما على مايصل له علمهم من رأي دون أي ضغوط خارجية. واستقلال الأزهر وشيخه وهيئة كبار العلماء ، يمنع السلطة التنفيذية من توظيف الرأي الديني لمصلحتها ،ويحرمها من التأييد الشرعي المستمر الذي تحظى به في حالة سيطرتها على المؤسسة الدينية .

وهذا الوضع يختلف عن الوضع الحالي حيث إن مجمع البحوث الإسلامية ومؤسسة الأزهر نفسها تتبع السلطة التنفيذية وشيخ الأزهر معين من قبل رئيس الجمهورية .

وعندما يؤخذ رأي مجمع البحوث الإسلامية في موضوع ما لا يمكن أن يأتي رأيه مستقلا عن رغبة السلطة التنفيذية وأيضا عندما يؤخذ رأي شيخ الأزهر يصعب أن يكون رأيه مخالفا لرأي السلطة التنفيذية إذن ما حققه برنامج الإخوان في هذا الجزء هو استقلال الأزهر الشريف مما يؤدي إلى استقلال الرأي الديني عن رغبات السلطة التنفيذية .

أما على صعيد التشريع فقد كان هدف البرنامج الأساسي أن يحدد آلية للتشريع فيما يخص تطبيق الشريعة الإسلامية أو جعل مبادئ الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع ، كما نص الدستور في المادة الثانية. فالبعض يسأل عن فكرة تطبيق الشريعة أو الاتزام بها ، ومن يكون له الحق في تحديد ما يتوافق مع الشريعة الإسلامية وما يختلف معها ، وكان من المهم في برنامج يقوم على مرجعية الشريعة تحديد الإجراءات المتبعة في التشريع ، حتى يتحقق الالتزام بالشريعة الإسلامية .

ولقد تبنى برنامج الإخوان الآلية الموجودة الآن بالفعل ، ففي الواقع الراهن يقوم مجلس الشعب بعرض القانون قبل إقراره على مجمع البحوث الإسلامية لأخذ الرأي و أحيانا تقوم الحكومة بعرض القانون الذي تقترحه على مجمع البحوث الإسلامية.

وفي الواقع الحالي يكون القانون المقترح من قبل الحكومة غالبا هو ما يوافق عليه مجمع البحوث الإسلامية وهو مايوافق عليه مجلس الشعب في نهاية الأمر وذلك بسبب أن مؤسسة الأزهر نفسها جزء من السلطة التنفيذية كما أن هذه السلطة تهيمن على مجلس الشعب من خلال الأغلبية .

وفي الوضع الراهن يحق لمن يقيم دعوى تتعلق بقانون معين أن يطعن في دستوريته أمام المحكمة الدستورية العليا فإذا كان القانون مخالفا لأي نص في الدستور بما في ذلك المادة الثانية من الدستور الخاصة بالشريعة الإسلامية ، فتحكم المحكمة ببطلان القانون وتطلب من السلطة التشريعية وضع قانون آخر.

تلك هي الآلية الراهنة والتي اتخذها برنامج الإخوان بعد أن جعل هيئة كبار العلماء بديلا عن مجمع البحوث الإسلامية وجعلها هيئة منتخبة ومستقلة وجعل المؤسسة التي تنتمي إليها الهيئة وهي مؤسسة الأزهر مستقلة أيضا وجعل شيخها منتخبا . ولكن البرنامج أضاف تعديلا آخرعلى الواقع الراهن بأن طلب من المجلس التشريعي عرض كل القوانين على هيئة كبار العلماء لمعرفة رأيها . وهذا الاختلاف يعني اهتمام البرنامج بمعرفة علاقة القانون بالشريعة الإسلامية وهل يتعارض معها ، مع العلم بأن رأي الهيئة في النهاية هو مجرد رأي استشاري . وقد يكون للهيئة أكثر من رأي أو يكون لها رأي يحدد بعض الأسس والقواعد ، دون رأي نهائي في القانون نفسه . وهنا وجدنا البعض يفسر فكرة عرض القوانين كلها على الهيئة ، بأنها نوع من الوصاية للهيئة على المجلس التشريعي وهذا أمر لم يقصد بل ماقصد يمثل فرقا بين برنامج الإخوان والوضع الراهن . فالنظام الحالي يلتزم بالشريعة الإسلامية انتقائيا ،أي عندما يقرر هذا وبالتالي يختار القوانين التي تعرض على مجمع البحوث الإسلامية ، وتلك التي لا تعرض عليه .

وهنا نجد نقطة مهمة يمكن مناقشتها وهي عن أهمية عرض كل القوانين على هيئة كبار العلماء خاصة مع اختلاف الأغلبية الحاكمة في المجلس التشريعي والتي يمكن ألا تكون راغبة في أخذ رأي العلماء في الاعتبار ، وعليه يمكن النظر في مسألة طلب رأي العلماء ، وعلى أية حالة فالرأي في النهاية استشاري وبالنسبة لجماعة الإخوان والتي يقوم برنامجها على الالتزام بالشريعة الإسلامية ، سيكون رأي العلماء بالنسبة لها مهماً ، رغم أنه استشاري أيضا . وهنا رأي البرنامج أنه على المجلس التشريعي إقرار القانون بالأغلبية ولكن عليه عدم مخالفة رأي قطعي الدلالة والثبوت وهذا التعبير ربما كان مصدر بعض الاتباس رغم أنه لم يكن في صيغة إجراء بل في صيغة رأي موجه للمجلس التشريعي . فهذا الأمر جعل البعض يتساءل عمن يملك تحديد الحكم القطعي ، فإذا كان هيئة كبار العلماء ، عندئذ أصبح لهم سلطة تتجاوز الرأي الاستشاري . وبالنسبة لأصحاب الاتجاه الإسلامي نجد لديهم قناعة بأن الحكم القطعي معروف ومحدد ولكن في البرنامج السياسي يجب تحديد الإجراء ، وهنا يصبح الإجراء أن المجلس التشريعي هو صاحب القرار ، وهو الذي يحدد ما إذا كان رأي العلماء يقبل أم يرفض وما إذا كان عن حكم قطعي أم ظني . وبهذا تستقيم الصياغة من خلال التأكيد على ان رأي العلماء استشاري وايضا التأكيد على ان استشارة العلماء في أمور تخص الشريعة الإسلامية هي جزء من استشارة المتخصصين في أي أمور أخرى كعملية مساندة للمجلس التشريعي . مع ملاحظة أن النص أكد على أن على العلماء أخذ رأي أهل الاختصاص ، كإجراء ضروري وحدد أن رأيهم - وهذه نصيحة من صاحب البرنامج - يجب أن يأتي مرتبطا بسياق الموضوع أي مرتبط بظروف الواقع . ثم أكد البرنامج على دور المحكمة الدستورية العليا ولكنه أضاف لكل مواطن الحق في الطعن على دستورية القوانين وهو ما يعني تفعيل دور المحكمة الدستورية في وقف القوانين المعارضة للدستور . وقرر البرنامج في حالة قيام رئيس الجمهورية بإصدار قانون في غيبة المجلس النيابي ، أن يستشير هيئة العلماء أيضا .

هذا ما أراده البرنامج وضع آلية لتطبيق مرجعية الشريعة الإسلامية تؤكد على أن المجلس التشريعي هو وحده صاحب القرار التشريعي وأن رأي العلماء مهم ولكنه استشاري ، والمحكمة الدستورية العليا هي صاحبة الرقابة الوحيدة على القوانين ورقابتها لاحقة .ولكن ردود الفعل على هذا النص ذهبت بعيدا ، لدرجة أن بعضها اعتبر النص محاولة لتقليد ولاية الفقيه لدي الشيعة وأن النص يعطي حق الرقابة للعلماء على الحكومة ورئيس الجمهورية والقوانين ، وهذا أمر يخرج تمام عن النص ويتعارض مع فكر الإخوان المسلمين ويتعارض مع آليات العمل داخل جماعة الإخوان ويتعارض مع فكر أهل السنة والجماعة ولذا فهو احتمال غير وارد أساسا . وكل ما قيل عن دولة الفقهاء والدولة الدينية أمر يخرج عن النص وعن المعنى المقصود له بل إن بعض الالتباس الحادث في النص لا يسمح بالقول بولاية الفقيه ، ولا بسلطة للعلماء . والبعض تصور أن هذا النص ، مع غيره ، يمثل عودة لسيطرة تيار على آخر داخل جماعة الإخوان المسلمين ، وبدأت كرة الثلج تبني تفسيرات على تفسيرات حتى بعدت تماما عن النص الأصلي .

والحقيقة أن كاتب هذه السطور هو صاحب الاقتراح بإضافة هذا الجزء ، وأنا أقول هذا لسبب واحد فقط ، وهو الـتأكيد على أن ما ذهبت إليه التعليقات بعيد تماما عن الحقيقة ، فكان المقصود من الاقتراح التأكيد على أن عملية تطبيق الشريعة تجري بنفس قواعد التشريع المعمول بها والتي تجعل الأمة مصدر التشريع من خلال نوابها المنتخبين . أما الاعتراض على دور العلماء فقد كان جزء منه رغبة في ألا يكون للعلماء أي دور حتى دور الناصح وأظن أن دور العلماء سيبقى ، فعليهم النصيحة .

أبو الفتوح يحكي قصة برنامج الإخوان




حوار - إيمان عبد المنعم


في ظل تمسك بعض قيادات جماعة الإخوان المسلمين بالصمت تجاه ما ورد من انتقادات لبرنامج حزب الجماعة، معللين صمتهم هذا بأن الرد سيكون دفعة واحدة، ذهبنا للدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، عضو مكتب إرشاد الجماعة، لعلنا نجد عنده بعض الإجابات.

جاءت إجابات أبو الفتوح لتنسف بعض ما تردد حول البرنامج من انتقادات، مصرحا أن برنامج حزب الإخوان يسمح بتولي المرأة والقبطي رئاسة الجمهورية، كما أكد أنه لا وجود لهيئة العلماء بالصورة التي تناولها النقاد، ولكنها – حسب قول أبو الفتوح - لجنة من العلماء لانتخاب شيخ الأزهر، وتكون مرجعية للأحكام الشرعية، وأرجع أبو الفتوح الانتقادات التي وجهت للبرنامج إلى أخطاء الصياغة التي أخلت بالمضمون.

وأقر الدكتور أبو الفتوح بأن البرنامج تم إعداده على عجل بسبب الإلحاح في السؤال عنه بعد إعلان المرشد عن قرب صدوره، كما أكد أن البرنامج لم يعرض على قواعد الجماعة، معللا ذلك بالتضييقات الأمنية.
ولم ينكر عضو مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين أن الجماعة تحتاج إلى الإصلاح الداخلي والتغيير، ليحل الشباب محل الشيوخ داخل مجلس الشورى ومكتب الإرشاد.

* في ظل النظام القائم، وترقب الشارع، وتباين مواقف القوى السياسية، وتوالي الضربات الأمنية لجماعة الإخوان، هل ترى أن الوقت مناسب لطرح برنامج حزبي للجماعة؟

- البرنامج ليس له علاقة بتلك الظروف، كما أن الإعلان عنه مرهون بالانتهاء منه، وليس بحالة النظام.

* ولكن هل نفهم من ذلك أن البرنامج تجاهل تقديم حلول لمشكلات الشارع المصري الراهنة؟

- لا، على العكس، البرنامج يحمل العديد من المقترحات والحلول، ولكن ليست مرهونة بالمشكلات الراهنة فقط، بل المشكلات بشكل عام، من فقر وأوضاع صحية ومشكلات اقتصادية، ومشكلات التعليم والمشاركة السياسية، وكذلك عودة مكانة وريادة مصر العالمية والإقليمية وغيرها، فالشارع بحاجة لرؤية لإعادة تكوينه، وهو ما يقدمه البرنامج.

* إذن ما الهدف من إعلان البرنامج في ذلك الوقت تحديدا؟

- أولاً أود أن أوضح أمرا هاما، وهو أن ما تقوم جماعة الإخوان اليوم
بإعداده هو مشروع أو برنامج إصلاحي، يصلح أن يكون برنامجا سياسيا حزبيا.

* ولكن هذا يتنافي مع تصريحات مرشد الجماعة، والذي أعلن قبل 7 أشهر عن عزم الجماعة إنشاء حزب سياسي!

- نحن نريد حزبا سياسيا ذا مرجعية إسلامية، ولكن الظروف الراهنة
لن تسمح بذلك، ولن نتقدم للجنة الأحزاب.

* إذن لماذا أعلنتم أنه مشروع حزب؟

- لأنه تصور مبدئي لبرنامج حزب يمكن الإعلان عنه في حال تغير الظروف المانعة لنا الآن من الإعلان عنه.

* ولكنكم قدمتم أطروحة إصلاحية في أواخر عام 2004.
- نعم، واليوم نستكملها.

* وهل يعني ذلك أنه في حالة تغير الظروف سيتغير برنامج الحزب؟

- لكل عصر ظروفه وبرامجه، ولا مانع من أن يتغير تصور البرنامج طبقا لاختلاف الظروف، ولكن لا يعني ذلك عدم التمسك بالمبادئ الأساسية لمشروعنا الحضاري الإسلامي، البرنامج يبن على ثوابت الجماعة التي لا تتغير، ولكن مشكلات المجتمع تتغير، وبالتالي آليات التعامل معها تتغير. * ولكن البرنامج تعرض لموجة كبيرة من الانتقادات، بم تفسر ذلك؟
- البرنامج ما زال في مرحلة التكوين والأخذ والرد، ولم نعلن أن هذا هو التصور النهائي للبرنامج حتى يتعرض لتلك الهجمة، ولكن ذكرنا أن تلك النسخة هي القراءة الأولى عندما عرضناها على قادة الرأي والمفكرين، إلى جانب أن البعض قرأه على عجل، وركز على نقاط ثلاث، ولم يلتفت لما يطرحه البرنامج من رؤى سياسية جديدة.

* ما هي تلك الرؤى السياسية الجديدة التي طرحها البرنامج؟

- البرنامج أكد على مدنية الدولة، وكذلك ضرورة تداول السلطة، وحرية تكوين الأحزاب والجمعيات والنقابات دون تدخل من السلطة التنفيذية، وكذلك التأكيد على قضية بناء الإنسان المصري، وقضايا أخرى في الصحة والتعليم والاقتصاد.

* وما الفرق بين تلك النسخة الأخيرة والنسخة الأولى؟ - التصور الأولي
للبرنامج وضعه القسم السياسي برئاسة الدكتور عصام العريان قبل القبض عليه، ثم عرض على مكتب الإرشاد الذي أبدى عليه بعض الملاحظات، وتم تجنبها في النسخة الثانية.

* يقال إن النسخة الأولى كانت ذات صياغة ورؤية سياسية واضحة، على عكس الثانية، والتي وصفها المحللون بطغيان الرؤية الدينية عليها؟
- هذا ليس صحيحا، فما طلبه مكتب الإرشاد مجرد إعادة صياغة لبعض النقاط فقط، ولم يضفي عليه أية صبغة دينية علي الإطلاق. ولكن هناك فقرات صيغت بطريقة أخلت بمضمونها ومفهومها.
إن جماعة الإخوان ليست ملكا للإخوان، ولكن هي ملك لمصر وللأمة كلها، وما يضفي على الإخوان خصوصية أنهم يتحدثون عن شيء عظيم وهو الدين الإسلامي، ومن هنا يجب المحافظة على منهج الجماعة الذي ينص على المطالبة بتطبيق الإسلام الحضاري لنا جميعا، حتى المسيحيين، ونتمنى أن يرى الناس الإخوان هيئة مصرية قوية، ومن حقهم أن يردوا ويعلقوا علي طرح الإخوان، لأن قوة مصر في أن يكون الإخوان أقوياء، وكذلك كافة التيارات السياسية، وكل مؤسسات الدولة، سواء الصحافة أو القضاء أو البرلمان أو غيره.
* هل تم عرض البرنامج على أعضاء الجماعة وقواعدها قبل عرضه على من هم بخارجها؟.
- لا
* ولماذا؟
- نظرا للتضييقات الأمنية.

* وهل تم عرضه على مجلس شورى الجماعة؟

- تم عرضه على عدد كبير منهم بشكل فردي.

* ولماذا لا يجتمع مجلس شورى الجماعة ليناقش مثل هذه الأمور الفاصلة؟

- يسأل في ذلك قوات الأمن التي تمنع الجماعة من ممارسة أبسط حقوقها في اجتماع مجلسها، وكنا نتمنى أن نجتمع لمناقشة هذا الأمر وعقد ورش عمل للمناقشة، حتى نصل إلى الصورة المثلى، ولكننا نشهد أن أي اجتماع ولو من باب التواصل الإنساني يتم إلقاء القبض على من يحضره، كما حدث مع الدكتور عصام العريان الذي قبض عليه مع 17 آخرين مؤخرا.

* إذن على من عرض البرنامج داخل الجماعة قبل طرحه للمفكرين؟.

- عرض على مكتب الإرشاد، وعلى المتخصصين في الجماعة في عدد من المجالات، كل حسب تخصصه، وكذلك على المكاتب الإدارية، والتي أبدت آراء معارضة ومخالفة وتم النزول على بعضها.

* وأين القواعد من مطالعة البرنامج؟!

- صعب من الناحية العملية عرض البرنامج على القواعد في المرحلة الحالية، ومن المقرر طبع البرنامج في كتيب وتوزيعه على القواعد والشعب حين الوقوف على الصورة المثلى، كما أننا على استعداد لتغيير الرؤية النهائية إذا وصل للجماعة آراء من القواعد والشعب تخدم البرنامج وتعمل على تحقيق مصلحة الشعب.

* ألا ترى أن إعلان البرنامج عقب التعديلات الدستورية الأخيرة، والتي منعت بشكل قاطع تكوين حزب ذي مرجعية دينية، كان نوعا من التحدي غير المعد له من قبل الجماعة؟

- لم نكن في ذلك الوقت بدأنا فعليا في مناقشة البرنامج.

* معنى ذلك أنه لم يكن هناك برنامج معد بالفعل حين أعلن المرشد عن قرب صدوره؟

- نعم.

* إذن فإعلان المرشد عن الحزب كان (تدبيسة)على حد وصف البعض؟

- عندما أعلنا عن البرنامج فوجئنا بالناس في اليوم التالي تسألنا: أين البرنامج؟!.

* ألا ترى أن مسألة مجلس العلماء التي اقترحها البرنامج تؤكد حمل البرنامج لرؤية دولة دينية؟.

- مسألة مجلس العلماء أخذت أكبر من حجمها بكثير، ويرجع السبب في ذلك إلى صياغة خاطئة، ولو رجع من عرض عليهم البرنامج إلينا لأوضحنا لهم الصورة.

* وما هي الصورة التي تريدون توضيحها؟

- نحن ندعو لعودة هيئة كبار العلماء التي كانت موجودة في الأزهر بالماضي، وتفعيل دورها بحيث تأتي بالانتخاب وتقوم بدورها بانتخاب شيخ الأزهر، كما تكون هيئة استشارية شرعية للمحكمة الدستورية في الأمور والقوانين التي تحتاج رؤية شرعية، وكذلك مجلسي الشعب والشورى،
وهي جهة استشارية وليست ملزمة.

* ولكن ما تضمنه البرنامج حمل إلينا صورة "إيرانية" لهذا المجلس!

- أنا لا أنكر أن البرنامج خرج على عجل، ولم يتم مراجعته، حتى أن
النسخة الأولى خرجت عليها ملاحظات خاصة لا يجوز نشرها، ولكن السرعة في طرح البرنامج هي السبب.

* وما الداعي لتلك السرعة؟

- منذ أعلنا عن عزم الجماعة إنشاء حزب، والكل يترقب ويسأل متى وأين، وما هو مضمونه، تلك التساؤلات دفعت بتعجيل إعداده.
* إذا كانت الصياغة الخاطئة سببا في ما وجِّه لمقترح مجلس العلماء من انتقاد، فماذا عن ما يتعلق بتولي المرأة والقبطي رئاسة الدولة؟
- لا مانع من تولي المرأة لرئاسة الدولة وكذلك القبطي إذا جاء ذلك بناء على رأي الشعب واختياره، فنحن لسنا ضد أن يترشح أي مواطن تتوافر فيه الشروط المنصوص عليها في الدستور لمنصب الرئاسة، فالمواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، ونحن نحترم خيار الشعب، فلا مانع من ترشيح القبطي أو المرأة ويكون الخيار للشعب.

* ولكن ولاية المرأة مرفوضة بشكل قاطع بالبرنامج؟

- لا، ولكنها أيضا صياغة خاطئة، ونحن رجعنا في هذه المسألة إلي كل من فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي والدكتور أحمد العسال، اللذين أكدا على جواز ترشيح المرأة للرئاسة ما دام الخيار للشعب.

* ولكن هناك العديد من القيادات أعلنت تمسك الجماعة برفض ترشيح المرأة والقبطي للرئاسة؟

- رفض الترشيح ليس في محله، ويتناقض كليا وجزئيا مع مضمون البرنامج من الدعوة للتوافق الوطني، وحق المواطنة واحترام الآخر، كما أنه يخالف كذلك ما تضمنته مبادرة الإصلاح التي أعلنت عنها جماعة الإخوان المسلمين قبل عامين.

وعدم الترشيح يعد مصادرة على حق حرية الرأي، وبالتالي يبقى مصادرة لآراء الشعب، وأنا لست وصيا على الشعب.

* ألا ترى أن في ذلك تضاربا في آراء أفراد الجماعة وقياداتها؟

- من يريد أن يعبر عن رأيه فليعبر، فنحن كجماعة نكفل حرية التعبير، وهذه قضية مختلف فيها، ونحن نرى أن يفتح باب الترشيح للجميع، وبكون الخيار للشعب.

* هل هذا رأي الدكتور أبو الفتوح أم رأي الجماعة؟

- أنا جزء من الجماعة.

* ماذا تعني بذلك؟

- أعني أنه رأي الجماعة، بدليل أننا استطلعنا رأي الدكتور يوسف القرضاوي خلال فترة تواجده بالقاهرة - كما أشرت من قبل - وكنا مجموعة من مكتب الإرشاد وعلى رأسنا فضيلة المرشد مهدي عاكف، وحين سألنا الدكتور أحمد العسال، كنا مجموعة أيضا من مكتب الإرشاد، وأفاد كلا العالميين الجليلين بأنه لا مانع من ذلك في حالة أن يترك باب الترشيح مفتوحا للجميع.

* كلامك يعكس وجود حالة من الاختلاف داخل الجماعة؟

- الاختلاف ظاهرة صحية، ونحن كأية جماعة بداخلها تيارات مختلفة، أو حمائم وصقور كما يطلق عليها البعض، ولكن لا يعني ذلك أن هناك حربا، فاختلاف الرؤى يثري العمل، ولكن البعض يعتقد أن بداخل الجماعة حربا، وهذا نوع من التهويل والمبالغة.

* ولكن ألا ترى أن الجماعة بدت في الفترة الأخيرة نتيجة هذه الاختلافات مهلهلة لحد ما؟

- لا طبعا، أنا لا أنكر أن الجماعة تحتاج إلى نوع من الإصلاح الداخلي وإعادة رؤيتها في التعامل مع القواعد، كما أننا في حاجة إلى التغيير وإجراء انتخابات داخل مكتب الإرشاد ومجلس الشورى، فالجماعة تحتاج إلى أن نستبدل نحن ويأتي غيرنا من الشباب.

* وما الذي يمنع حدوث ذلك؟

- الأمن يحبط كل محاولة لاجتماع أعضاء الجماعة، والضربات الأمنية المتلاحقة تؤجل من هذه الخطوة.

* هل ترى أن الجماعة تعاني من سيطرة التيار المحافظ عليها؟

- كل الجماعات البشرية يكون فيها تيار محافظ وتيار إصلاحي، المهم ألا يسيطر أحدهما على الآخر، ويكون الحوار هو الوسيلة للتفاهم.

* ما موقفكم من الاعتراف بإسرائيل؟

- نحن نرى أن إسرائيل كيان مغتصب لأرضنا الفلسطينية، والحل هو أن تعود فلسطين حرة يعيش فيها كل أبنائها، مسلمون ومسيحيون ويهود، وهذا موقف ثابت للجماعة.

* هل البرنامج صيغ بأيدٍ إخوانية؟

- نعم لأن البرنامج يعكس صورة ومنهج جماعة الإخوان.

* ولكن تردد تكليف بعض الشخصيات ومنهم من هو خارج الجماعة لصياغة فقرات في البرنامج؟

- لم يحدث ذلك، فالبرنامج كتب وأعد من قبل اللجنة السياسية بالجماعة، ولكن هذا لا يمنع أنه تم الاستعانة ببعض الخبراء من باب المشورة، ونحن مازلنا في تلك المرحلة والتي ستستمر لفترة.

* هل سعي الجماعة للتوافق الخارجي قبل الداخلي كان سببا في طرح بعض
النقاط وتجنب أخرى؟

- لا، العكس تماما، فالبرنامج يخص مصر فقط، ولكل دولة ظروفها ونظمها السياسية التي تفرض عليها طبيعة برنامج سياسي معين، فما يطرح في مصر لا يصلح في الكويت مثلاً، وهكذا.
* حزب العدالة والتنمية بتركيا، وكذلك بالمغرب، أصحاب تجربة حزبية إسلامية، فهل تم الرجوع إليهما من باب الاستشارة في البرنامج؟

- لا.

* وعلى المستوى الداخلي، سبق برنامج الإخوان في مصر برامج أحزاب "الإصلاح" و"الوسط" و"الشريعة"، وجميعها ذات مرجعية دينية، فهل تمت مشاورتهم في البرنامج؟.

- لا.

* لماذا؟

- لم يعرض أحد منهم هذا الاقتراح علينا.
* ولماذا لا تعرض جماعة الإخوان عليهم هذا؟

- هذه فكرة جيدة من الممكن أن تأخذ في الاعتبار، ونحن مازلنا نؤكد أننا في الطور الأول من إعداد البرنامج، وكل صاحب رأي أو وجهة نظر نحن نرحب بالاستماع إليه.
* هل لدى الجماعة الاستعداد لتغيير البرنامج وفقا للملاحظات؟

- نعم بالتأكيد، وإلا فلماذا نعرضه ونطلب فيه إبداء الرأي؟!

* ولكن بعض الإخوان وصف البرنامج بأنه وثيقة إخوانية لا تقبل الحذف والإضافة؟

- من قال ذلك لا يعرف جماعة الإخوان المسلمين، فهذه الوثيقة ليست قرآنا لا يقبل التغيير، بل على العكس لابد وأن تكون متغيرة حتى تناسب الظروف والمتغيرات التي نعيشها.

* لماذا عرض على 50 فقط؟

- هذه مرحلة أولى، ومن المقرر أن يعرض على مجموعة أخرى.

* على أي أساس تم اختيار هؤلاء الخمسين؟

- هؤلاء مجموعة تمثل قادة الفكر والرأي في المجتمع المصري.

* ماذا عن مستقبل البرنامج؟

- البرنامج سيظل رؤية قابلة للتطبيق، ولكن لن نتقدم للجنة الأحزاب بحزب سياسي؛ لأننا نعلم أنه سيرفض، ولكن في حالة تغير الظروف سنتقدم به.

* ماذا تعني بتغير الظروف؟

- أقصد لو أصبحت هناك حرية، وتغير النظام الاستبدادي الحالي، وسمح بالتعددية السياسية.
* متى تتوقعون صدور البرنامج في صورته النهائية؟

- بمجرد الانتهاء من إعداده سيطبع في كتيبات ويوزع كما حدث مع ما طرحه الإخوان من رؤية للإصلاح في أواخر عام 2004.

* دكتور عبد المنعم، ألا ترى أن جماعة الإخوان بها الآن جناح مغضوب عليه؟

- بالطبع لا، ولماذا؟! نحن جماعة تقوم على مبدأ الشورى والديمقراطية وحرية التعبير، وعلى صاحب الرأي أن يطرحه حتى وإن كان يخالف رأي الجماعة، ولكن لا يعني ذلك وضعه في قائمة المغضوب عليهم.

* هل نجح الإخوان في التعامل مع ملف المحاكم العسكرية؟

- أعتقد أننا عملنا ما يمكن عمله في مواجهة كافة الإجراءات الاستثنائية ضد أصحاب الرأي بما في ذلك المحاكم العسكرية، ونأمل في أن ننجح في إلغاء تحويل المدنيين إلى المحاكم العسكرية المخالفة لأبسط حقوق الإنسان.

* كيف ترى دور مصر الآن؟

- مصر مهددة أمنيا، بعدما انصاعت إلى قرارات الإدارة الأمريكية، فهي مهددة بما يحدث في فلسطين وما يحدث في دارفور دون تحرك محوري منها كما كان معهودا منها. فنحن تنازلنا عن دورنا ولكن لحساب من؟ وأحذر من مخاطر التمادي في ذلك الموقف الذي يهدد الأمن القومي المصري.
* وكيف ترى الشارع المصري؟

- من الناحية السياسية الشارع المصري في حالة من الترقب، في ظل ما يعانيه من أسوأ مراحل الاستبداد والتعنت النظامي، فبعد الأزمات الاقتصادية وتفاقم أعداد البطالة، وملفات الفساد والتعديلات الدستورية، تأتي حالات التعذيب وتزايد الاعتقالات بشكل عشوائي، والقتل العلني، ثم مذبحة الصحفيين ومن قبلهم القضاة.
* ولماذا في رأيك لا يثور الشارع المصري حتى الآن رغم كل ما ذكرت؟
- لأن الشارع منذ ثورة يوليو وهو يعاني حالة من التغيب المتعمد، تزايدت مع الوقت، حتى وصلت لحالة من الثبات بعدما تحولت المعتقلات إلى أبواب مفتوحة 24 ساعة لكل من يتفوه أو يتمرد.
ولكن في ظل حالة العشوائية الأمنية وانتشار الفوضى وازداد الطغيان من النظام ضد الشعب المصري، ظهرت حالة رفض من خلال الحركات العمالية أو الحركات الشعبية وكذلك الطلابية.
كما أن الشارع يترقب تحركات قيادات الرأي والقوى السياسية، ومنها جماعة الإخوان المسلمين، فالشعب يحتاج لقيادة رشيدة ليتحرك.

* إذن هل الإخوان يتحملون مسئولية سلبية الشارع المصري؟

- القوى السياسية والمفكرون ومن بينهم الإخوان يتحملون ذلك.

* تقول إن الشارع ينتظر تحرك القيادات، فلماذا لم يتحرك الإخوان حتى الآن رغم تزايد الضربات الأمنية لهم؟

- القوى السياسية ومنها جماعة الإخوان لا تملك الشارع، ولسنا كالثورة الخومينية التي لوحت للشارع فخرج معلنا الثورة، ولكننا جزء من الشارع المصري الذي يتعرض لضربات أمنية متتالية من اعتقالات ومصادرات لأموال رجال الأعمال، وتحويل الإصلاحيين أمثال خيرت الشاطر ومحمد بشر إلى محاكم عسكرية.

* هل يعني ذلك أن الضربات الأمنية نجحت في تحجيم دور جماعة الإخوان
المسلمين في المجتمع؟

- بالتأكيد أثرت علينا، ومع ذلك فنحن مستعدون لمواجهة الفساد
والاستبداد إلى أن يسقط

المشير الجمسي.. النحيف المخيف




15/06/2003
أسامة الحسيني
**


عبد الغني الجمسي

بعد انتهاء إحدى جلسات مفاوضات فض الاشتباك الأول (الكيلو 101) التي أعقبت عبور القوات المصرية لقناة السويس في حرب أكتوبر 1973، خرج الفريق عبد الغني الجمسي -رئيس وفد المفاوضات المصري، وكان رئيسا لأركان الجيش- من خيمته للتفاوض دون أن يسلم على أي من أعضاء وفد المفاوضات الإسرائيلي أو تصدر عنه كلمة واحدة، وكانت هذه عادته طوال زمن المفاوضات، فأسرع وراءه قائد الوفد الإسرائيلي الجنرال "عيزرا وايزمان" الذي أصبح رئيسا لإسرائيل فيما بعد، وقال له: "سيادة الجنرال، لقد بحثنا عن صورة لك وأنت تضحك فلم نجد، ألا تضحك أبدا؟!".
فنظر إليه القائد المصري شزرا ثم تركه ومضى.. وبعدها كتب وايزمان في مذكراته عن المشير الجمسي: "لقد هزني كرجل حكيم للغاية، إنه يمثل صورة تختلف عن تلك التي توجد في ملفاتنا، ولقد أخبرته بذلك".

لقاء مع الجنرال
تذكرت هذا الموقف عندما ذهبت لأول لقاء معه قبل أكثر من عام، وكان لقائي الوحيد مع الرجل الذي ارتبط ذكره بالانتصار الأكبر للعرب على إسرائيل والذي كان أحد أبرز رموز العسكرية المصرية والعربية الكبار في القرن العشرين، وظل واحدا ضمن أبرع 50 قائدا عسكريا في العالم ذكرتهم أشهر الموسوعات العسكرية العالمية، إلى أن توفاه الله قبل أيام قليلة (في 7 يونيه 2003م).

حين طلبت من المشير الجمسي اللقاء دعاني بود لمقابلته في جلسته المفضلة بنادي هليوبوليس؛ حيث اعتاد الجلوس مع أصدقائه أمام ملعب الكروكية، كان تصوري أنني سألتقي بجنرال على المعاش من طائفة جنرالات المقاهي الذين يعيش الواحد منهم على ذكريات الماضي يجتر انتصاراته، ويفاخر بمعاركه والحروب التي خاضها، خاصة لو كانت حقيقية ولها تاريخ، لكن كل هذا تغير وانقلب تماما حين وجدتني أمام رجل بسيط متواضع قد لا تستطيع تمييزه عن غيره من الناس الذين تقابلهم في الشارع، وتزاملهم في العمل، وتجاورهم في الأوتوبيس، وتقتسم معهم لقمة بسيطة (فول وطعمية) في أحد مطاعم القاهرة متواضعة الحال.

حين رأيت الرجل عادت إلي أنفاسي التي كانت على وشك الهروب، ليس من رهبة لقاء الجنرال فقط، ولكن من تأثير أجواء هليوبوليس نادي النخبة الأرستقراطية التي احترفت أن تبث فيك -أنت الشاب رقيق الحال- كل معاني التضاؤل. وحين تصافحنا عادت إلي روحي حين وجدت نفسي مع واحد من فلاحي ريف مصر البسطاء، نحيف الجسد دقيق الملامح، كأنما هي منحوتة نحتا، هادئ بسيط وعادي، لا تتصور وهو يكلمك بعادية وتلقائية وهدوء أنه هو الجنرال الذي تمرس على الحياة بين طلقات الرصاص، واحترف العمل في ساعات الخطر. ولولا وقار الرجل وهيبته واسمه الذي تعرفه الدنيا كلها "أشهر من النار على العلم" لكانت جلستنا التي استمرت ساعتين كاملتين من التباسط والحميمية التي لم يتكلفها الجنرال أقرب إلى جلسات أهل الريف تحت أشجار الجميز التي تتخللها أكواب الشاي وأحاديث السمر.

الفلاح جنرالا

بساطة الفلاح وعظمة الجنرال المنتصر هما وجهان لعملة واحدة لم يعرف المشير الجمسي غيرهما في حياته الطويلة التي لم يكن فيها سوى فلاح أو جنرال؛ ففي نهاية عام 1921 ولد الطفل محمد عبد الغني الجمسي لأسرة ريفية كبيرة العدد فقيرة الحال يعمل عائلها في زراعة الأرض في قرية البتانون بمحافظة المنوفية، ولفقر الأسرة المدقع كان الوحيد من بين أبنائها الذي حصل تعليما نظاميا قبل أن تعرف مصر مجانية التعليم، ولعب القدر دوره في حياة الجمسي بعد أن أكمل تعليمه الثانوي، حينما سعت حكومة مصطفى النحاس باشا الوفدية لاحتواء مشاعر الوطنية المتأججة التي اجتاحت الشعب المصري في هذه الفترة؛ ففتحت -لأول مرة- أبواب الكليات العسكرية لأبناء الطبقات المتوسطة والفقيرة التي كانت محرومة منها، فالتحق الجمسي ولم يكن قد أكمل السابعة عشرة بالكلية الحربية مع عدد من أبناء جيله وطبقته الاجتماعية الذين اختارهم القدر لتغيير تاريخ مصر؛ حيث كان من جيله جمال عبد الناصر، وعبد الحكيم عامر، وصلاح وجمال سالم، وخالد محيي الدين... وغيرهم من الضباط الأحرار، وتخرج فيها عام 1939 في سلاح المدرعات، ومع اشتعال الحرب العالمية الثانية ألقت به الأقدار في صحراء مصر الغربية؛ حيث دارت أعنف معارك المدرعات بين قوات الحلفاء بقيادة مونتجمري والمحور بقيادة روميل، وكانت تجربة مهمة ودرسا مفيدا استوعبه الجمسي واختزنه لأكثر من ثلاثين عاما حين أتيح له الاستفادة منه في حرب رمضان.

وعقب انتهاء الحرب واصل الجمسي مسيرته العسكرية؛ فتلقى عددا من الدورات التدريبية العسكرية في كثير من دول العالم، ثم عمل ضابطا بالمخابرات الحربية، فمدرسا بمدرسة المخابرات؛ حيث تخصص في تدريس التاريخ العسكري لإسرائيل الذي كان يضم كل ما يتعلق بها عسكريا من التسليح إلى الإستراتيجية إلى المواجهة. فكان الصراع العربي الإسرائيلي هو المجال الذي برع فيه الجمسي، وقضى فيه عمره كله الذي ارتبطت كل مرحلة فيه بجولة من جولات هذا الصراع منذ حرب 1948 وحتى انتصار 1973، وحتى بعد اعتزاله للحياة العسكرية ظل مراقبا ومحللا للوضع المشتعل، مؤمنا بأن أكتوبر ليست نهاية الحروب، وأن حربا أخرى قادمة لا محالة؛ لأن مواجهة مصيرية لا بد أن تقع، وأن الانتفاضة الفلسطينية هي السلاح الأفضل والأنجع حاليا لضرب العدو الصهيوني، ولا بد من تدعيمها بكل ما نملك.
وكانت هزيمة يونيه 1967 بداية تصحيح المسار في مواجهة آلة الحرب الصهيونية؛ حيث أسندت القيادة المصرية للجمسي مهام الإشراف على تدريب الجيش المصري مع عدد من القيادات المشهود لها بالاستقامة والخبرة العسكرية استعدادا للثأر من الهزيمة النكراء، وكان الجمسي من أكثر قيادات الجيش دراية بالعدو، فساعده ذلك على الصعود بقوة، فتولى هيئة التدريب بالجيش، ثم رئاسة هيئة العمليات، ورئاسة المخابرات الحربية، وهو الموقع الذي شغله عام 1972، ولم يتركه إلا أثناء الحرب لشغل منصب رئيس الأركان.

كشكول الجمسي
لم يضيع الجمسي يوما واحدا؛ فبدأ الاستعداد لساعة الحسم مع العدو الصهيوني، فكان لا يتوقف عن رصده وتحليله وجمع كل المعلومات عنه، وعندما تم تكليفه مع قادة آخرين بإعداد خطة المعركة أخذ يستعين بكل مخزون معرفته، وبدأ تدوين ملاحظاته عن تحركات الجيش الصهيوني، وتوقيتات الحرب المقترحة، وكيفية تحقيق المفاجأة. وللحفاظ على السرية التامة دوَّنَ كل هذه المعلومات السرية في الشيء الذي لا يمكن لأحد أن يتصوره؛ فقد كتب الجمسي كل هذه المعلومات في كشكول دراسي خاص بابنته الصغرى؛ فلم يطلع عليه أو يقرؤه أحد إلا الرئيس المصري أنور السادات والسوري حافظ الأسد خلال اجتماعهما لاتخاذ قرار الحرب!

واختار القائد المصري المحنك توقيت الحرب بعناية بالغة: الساعة الثانية ظهرا من يوم السادس من أكتوبر 1973 الموافق العاشر من رمضان 1393، وهو أنسب توقيت ممكن للحرب؛ نظرا لوجود 8 أعياد يهودية وموافقته لشهر رمضان. ولأن التنسيق بين الجيشين المصري والسوري كان من أصعب مهام الحرب، ويحتاج إلى قائد من طراز فريد؛ لم يكن هناك أفضل من الجمسي.

ساعات عصيبة
عاش رئيس هيئة العمليات المسئول الأول عن التحركات الميدانية للمقاتلين ساعات عصيبة حتى تحقق الانتصار، لكن أصعبها تلك التي تلت ما عرف بثغرة الدفرسوار التي نجحت القوات الصهيونية في اقتحامها، وأدت إلى خلاف بين الرئيس السادات ورئيس أركانه وقتها الفريق سعد الدين الشاذلي الذي تمت إقالته على إثرها ليتولى الجمسي رئاسة الأركان، فأعد على الفور خطة لتصفية الثغرة وأسماها "شامل"، إلا أن السادات أجهضها بموافقته على فض الاشتباك الأول عقب زيارة وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر للقاهرة!
وبانتهاء المعركة وتكريم اللواء الجمسي، وترقيته إلى رتبة الفريق، ومنحه نجمة الشرف العسكرية.. لم تنته الساعات العصيبة في حياة الجمسي؛ فقد عاش ساعات أقسى وأصعب؛ هي ساعات المفاوضات مع عدو ظل يقاتله طيلة أكثر من ربع قرن.

دموع وندم

اختار السادات الفريق الجمسي ليتولى مسئولية التفاوض مع الإسرائيليين فيما عرف بمفاوضات الكيلو 101، وكقائد تجري دماء العسكرية في دمه نفذ الجمسي أوامر القيادة التي يختلف معها، وإن كان قد قرر ألا يبدأ بالتحية العسكرية للجنرال "ياريف" رئيس الوفد الإسرائيلي، وألا يصافحه، وهذا ما حدث فعلا. وبدا الرجل مفاوضا صلبا مثلما كان عسكريا صلبا، حتى جاءت أصعب لحظات عاشها الفريق في حياته كلها، لحظات دفعته -لأول مرة في حياته العسكرية- لأن يبكي! كان ذلك في يناير 1974 عندما جلس أمامه وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر ليخبره بموافقة الرئيس "السادات على انسحاب أكثر من 1000 دبابة و70 ألف جندي مصري من الضفة الشرقية لقناة السويس!! فرفض الجمسي ذلك بشدة، وسارع بالاتصال بالسادات الذي ما كان منه إلا أن أكد موافقته؛ ليعود الرجل إلى مائدة التفاوض يقاوم الدموع، ثم لم يتمالك نفسه فأدار وجهه ليداري دمعة انطلقت منه حارقة؛ حزنا على نصر عسكري وأرواح آلاف الرجال تضيعها السياسة على موائد المفاوضات. وكانت مفاجأة لهنري كيسنجر أن يرى دموع الجنرال الذي كثيرا ما أسرّ له القادة الإسرائيليون بأنهم يخشونه أكثر مما يخشون غيره من القادة العسكريين العرب.
وأذكر أن آخر سؤال وجهته للمشير الجمسي في لقائنا الوحيد، كان عن القرار الذي ندم عليه في حياته، فصمت للحظات وقال بأسي: "اشتراكي في التفاوض مع اليهود".

آخر وزير حربية
بعد الحرب مباشرة رُقي الفريق الجمسي إلى رتبة الفريق أول مع توليه منصب وزير الحربية عام 1974 وقائد عام للجبهات العربية الثلاث عام 1975، وواصل أثناء توليه للوزارة استكمال تدريبات الجيش المصري؛ استعدادا للمعركة التي ظل طوال حياته يؤمن بها، وكان قرار السادات بألا يخرج كبار قادة حرب أكتوبر من الخدمة العسكرية طيلة حياتهم تكريما لهم، إلا أن السياسة أفسدت هذا التكريم؛ فقد تزايدت مساحة الخلاف بين الجمسي والسادات بعد مبادرة الأخير بالذهاب إلى إسرائيل عام 1977.
وتطورت الأحداث بما أدى لخروج الجمسي من وزارة الحربية عام 1978، واختلف الناس حول أسباب هذا الإبعاد، ولكن ظل السبب الأرجح هو رفض الجمسي نزول الجيش إلى شوارع مصر لقمع مظاهرات 18 و19 يناير 1977 الشهيرة، فأسرّها السادات له، وكان قرار قبوله التقاعد بناء على طلب الجمسي، وتغير اسم وزارة الحربية إلى وزارة الدفاع. إلا أنه رقي عام 1979 إلى رتبة المشير، وحين خرج للحياة المدنية كان أول قرار له هو رفض العمل بالسياسة، وظل محافظا على ذلك، وكان دائما ما يردد: إن الرجل العسكري لا يصلح للعمل السياسي، وإن سبب هزيمتنا عام 1967 كان بسبب اشتغال وانشغال رجال الجيش بالألاعيب في ميدان السياسة؛ فلم يجدوا ما يقدمونه في ميدان المعركة.

النحيف المخيف
خرج المشير الجمسي من الحياة العسكرية، لكنه ظل محتفظا بنفس التقاليد الصارمة من الالتزام والانضباط والتزام الصمت بعيدا عن الأضواء، وحين بدأت موجة الكتابة عن حرب أكتوبر تنتشر في مختلف أنحاء العالم، كانت المعلومات تتكشف تدريجيا عن دور الرجل في الحرب، وتعددت معها الألقاب التي أطلقت عليه؛ فجرت المقارنة بينه وبين الجنرال الألماني الأشهر روميل؛ فسمي "ثعلب الصحراء المصري"؛ نظرا لبراعته في قيادة معارك الصحراء، ولُقب بأستاذ المدرعات التي احترف القتال في سلاحها منذ تخرجه في الكلية الحربية.. أما أحب الألقاب إلى قلبه فكان لقب "مهندس حرب أكتوبر"؛ نظرا لاعتزازه بالحدث وفخره به.
إلا أن أغرب الألقاب التي أُطلقت على المشير الجمسي؛ فكان ذلك الذي أطلقته عليه جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل إبان حرب أكتوبر، حين وصفته بـ"الجنرال النحيف المخيف".

وداع صامت
وفي صمت رحل المشير الجمسي بعد معاناة مع المرض؛ العدو الوحيد الذي لم يستطع قهره، فرفع له الرايات البيضاء؛ استجابة لنداء القدر، وصعدت روحه إلى ربه في 7-6-2003 عن عمر يناهز 82 عاما، عاش خلالها حياة حافلة بالانتصارات، وبينما كنت أتابع جملة النياشين والأوسمة التي تجاوز عددها 24 وساما من مختلف أنحاء العالم في الجنازة المهيبة التي حضرها كبار رموز الدولة والعسكرية المصرية تكريما ووفاء لذكرى الرجل.. تذكرت كلماته الأخيرة: "انتصار أكتوبر هو أهم وسام على صدري، وليتني أحيا لأقاتل في المعركة القادمة"!
* صحفي مصري

الجنرال الثائر سعد الدين الشاذلي.. بطل العاشر من رمضان






خالد أبو بكر اسلام أون لاين




الفريق سعد الدين الشاذلي.. اسم من ذهب في تاريخ العسكرية العربية.. رجل السباحة ضد التيار باقتدار.. تعوّد أن يقول كلمته ويمضي من دون اعتبار للعواقب والمآلات.. ففي الوقت الذي كانت فيه الخدمة في "الحرس الملكي" المصري في أربعينيات القرن الماضي قمة الأحلام وسدرة المنتهى لضباط الجيش، تركها مفضلاً الحياة في التشكيلات المرابطة في الصحاري المصرية، حيث حياة الصبر والجلد.
وفي الوقت الذي كانت تسارع فيه القوات المصرية بالانسحاب في اتجاه الشط الغربي لقناة السويس في حرب يونيو 1967، كان الشاذلي قد اتجه شرقًا هو ورجاله واحتل موقعًا في صحراء النقب الفلسطينية.
وفي الوقت الذي كانت فيه الغالبية تخطب ودّ الرئيس السادات عارضه في غرفة العمليات حول تصفية ثغرة "الدفرسوار" في حرب أكتوبر 1973، حيث كان رئيسًا لأركان حرب القوات المسلحة المصرية بوازع من ضميره وشرفه العسكري.
طوال رحلته الطويلة في السباحة ضد التيار فات الشاذلي أن الودعاء الطيبين هم الذين يرثون الأرض في نهاية المدى؛ لأنهم لا يبعدون.. لا يهمشون.. ولا يسجنون كما حدث معه شخصيًّا، وهو مهندس عملية عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف الذي لا يزال يدرس في كبريات الأكاديميات العسكرية العالمية إلى اليوم كمعجزة عسكرية بكل المقاييس.
مولد الفريق الشاذلي كان في قرية "شبرتنا" مركز "بسيون" في محافظة الغربية عام 1922، كان والده من الأعيان، كما أن عائلته عائلة عسكرية بامتياز، حيث مات جده وهو يقاتل في حروب الخديوي إسماعيل (1878) في السودان، وشارك أفراد من عائلته في الثورة العرابية وثورة 1919، وانقطعت صلة العائلة بالحياة العسكرية بعد انكسار الثورة العرابية والاحتلال البريطاني لمصر عام 1882؛ لتعود الصلة بالتحاق الشاذلي بالكلية الحربية عام 1939.
تخرج الشاذلي في الكلية الحربية في يوليو 1940 ضابطًا برتبة ملازم في سلاح المشاة، منذ بداية حياته العسكرية اكتسب الشاذلي سمعة طيبة في الجيش؛ ففي عام 1941 قررت القيادة المصرية البريطانية المشتركة (في الحرب العالمية الثانية) الانسحاب من مرسى مطروح (شمال غرب مصر) شكلت مجموعة مؤخرة مهمتها تدمير المعدات والمخزونات التي اضطرت القوات المصرية لتركها عند انسحابها من المنطقة، وكان الملازم سعد الشاذلي ضمن هذه المجموعة، وأدى دورًا رائعًا.
في العام عام 1943 تم انتداب الشاذلي للخدمة في "الحرس المالكي" الذي كان حلم كل الضباط آنذاك بالنظر إلى بعده عن الصحراء، وتمتع من يخدم فيه بامتيازات خاصة، إلا أن الشاذلي بعد فترة وجيزة من الخدمة فيه طلب الانتقال للخدمة في التشكيلات التعبوية، المرابطة في الصحاري المصرية.
ومع حلول العام 1954 ترأس الشاذلي أول كتيبة لقوات المظلات في الجيش المصري، وفي عام 1960 ترأس القوات العربية المتحدة في "الكونغو" ضمن قوات الأمم المتحدة، ثم عُيّن ملحقًا عسكريًّا في السفارة المصرية بالعاصمة البريطانية لندن (1961 - 1963)؛ وهو ما مكّنه من الاحتكاك بالعقيدة القتالية الغربية، بالإضافة إلى تكوينه وفق العقيدة القتالية الشرقية التي كانت تعتمدها مصر في تنظيم قواتها، وأساليب قتالها آنذاك.
الاحتلال في النقب

الشاذلي في ميدان التدريب
على الرغم من المرارة التي تجرعتها العسكرية المصرية والعربية في حرب يونيو 1967، فإن الشاذلي أظهر تميزًا نادرًا وقدرة كبيرة على القيادة والسيطرة والمناورة بقواته؛ فقبل بدء المعركة شكّل الجيش المصري مجموعة من القوات الخاصة (الكوماندوز) لحراسة منطقة وسط سيناء (بين المحور الأوسط والمحور الجنوبي) أسندت قيادتها للشاذلي، وعرفت فيما بعد في التاريخ العسكري المصري باسم "مجموعة الشاذلي".
مع بدء المعركة صبيحة 5 يونيو بضرب سلاح الجو المصري، واتخاذ القيادة العامة المصرية قرارها بالانسحاب، فقد الشاذلي الاتصال مع قيادة الجيش في سيناء، وهنا اتخذ القرار الأصعب بعد أن شاهد الطيران الإسرائيلي يسيطر تمامًا على سماء سيناء، فقام بعملية من أروع عمليات المناورة في التاريخ العسكري العربي، حيث عبر بقواته شرقًا وتخطى الحدود الدولية قبل غروب يوم 5 يونيو، وتمركز بقواته داخل صحراء النقب الفلسطينية، وعندها ظنه الطيران الإسرائيلي وحدة تابعة له فلم يهاجمه على الإطلاق.
وبقي الشاذلي في النقب يومين إلى أن تمكن من تحقيق اتصال بالقيادة العامة بالقاهرة التي أصدرت إليه الأوامر بالانسحاب فورًا.
فاستجاب لتلك الأوامر وقام بعملية انسحاب في ظروف غاية في الصعوبة على أي قائد في مثل ظروفه، ورغم هذه الظروف لم ينفرط عقد قواته، كما حدث مع وحدات أخرى، لكنه ظل مسيطرًا عليها بمنتهى الكفاءة، واستطاع بحرفية نادرة أن يقطع أراضي سيناء كاملة من الشرق إلى الشط الغربي لقناة السويس (حوالي 200 كم) في عملية انسحاب لا تقل عظمة عن انسحاب القائد الألماني فيلد مارشال "روميل" في الحرب العالمية الثانية، باعتبار أن الشاذلي كان يسير في أرض يسيطر العدو تمامًا عليها، ومن دون أي دعم جوي، وبالحدود الدنيا من المؤن، إلى أن وصل قبل غروب يوم 8 يونيو بكامل قواته ومعداته غرب القناة.
بعد عودة الشاذلي إلى غرب القناة اكتسب سمعة كبيرة في صفوف الجيش المصري كله، فتم تعيينه قائدًا للقوات الخاصة (الصاعقة والمظلات) في الفترة (1967 - 1969)، ثم قائدًا لمنطقة البحر الأحمر العسكرية (1970 - 1971).
المآذن العالية

الشاذلي والسادات
في 16 مايو 1971، أي بعد يوم من إطاحة السادات بأقطاب النظام الناصري، فيما سماه بـ"ثورة التصحيح" عين الشاذلي رئيسًا للأركان بالقوات المسلحة المصرية، باعتبار أنه لم يكن يدين بالولاء إلا لشرف الجندية، فلم يكن محسوبًا على أي من المتصارعين على الساحة السياسية المصرية آنذاك.
بمجرد وصول الشاذلي لمنصب رئيس الأركان دخل في خلافات مع الفريق صادق وزير الحربية حول خطة العمليات الخاصة بتحرير سيناء، حيث كان الفريق صادق يرى أن الجيش المصري يتعين عليه ألا يقوم بأي عملية هجومية إلا إذا وصل إلى مرحلة تفوّق على العدو في المعدات والكفاءة القتالية لجنوده، عندها فقط يمكنه القيام بعملية كاسحة يحرر بها سيناء كلها.
عندما تولّى سعد الدين الشاذلي رئاسة الأركان وجد أن هذا الكلام لا يتماشى مع الإمكانيات الفعلية للجيش؛ ولذلك طالب أن يقوم بعملية هجومية في حدود إمكانياته، تقضي باسترداد من 10 إلى 12 كم في عمق سيناء.
وبنى الشاذلي رأيه ذلك على أنه من المهم أن تفصّل الإستراتيجية الحربية على إمكانياتك وطبقًا لإمكانيات العدو.. وسأل الشاذلي الفريق صادق: هل لديك القوات التي تستطيع أن تنفذ بها خطتك؟ فقال له: لا.. فقال له الشاذلي: على أي أساس إذن نضع خطة وليست لدينا الإمكانيات اللازمة لتنفيذها؟.
يقول الشاذلي في مذكراته عن الخطة التي وضعها للهجوم على إسرائيل واقتحام قناة السويس التي سماها "المآذن العالية" إن "ضعف الدفاع الجوي يمنعنا من أن نقوم بعملية هجومية كبيرة.. ولكن من قال إننا نريد أن نقوم بعملية هجومية كبيرة.. ففي استطاعتنا أن نقوم بعملية محدودة، بحيث نعبر القناة وندمر خط بارليف ونحتل من 10 إلى 12 كيلومترا شرق القناة".
وكانت فلسفة هذه الخطة تقوم على أن لإسرائيل مقتلين.. الأول هو عدم قدرتها على تحمل الخسائر البشرية نظرًا لقلة عدد أفرادها، والمقتل الثاني هو إطالة مدة الحرب.. فهي في كل الحروب السابقة كانت تعتمد على الحروب الخاطفة التي تنتهي خلال أربعة أسابيع أو ستة أسابيع على الأكثر؛ لأنها خلال هذه الفترة تقوم بتعبئة 18% من الشعب الإسرائيلي وهذه نسبة عالية جدًّا.
ثم إن الحالة الاقتصادية تتوقف تمامًا في إسرائيل والتعليم يتوقف والزراعة تتوقف والصناعة كذلك؛ لأن معظم الذين يعملون في هذه المؤسسات في النهاية ضباط وعساكر في القوات المسلحة؛ ولذلك كانت خطة الشاذلي تقوم على استغلال هاتين النقطتين.
الخطة كان لها بعدان آخران على صعيد حرمان إسرائيل من أهم مزاياها القتالية يقول عنهما الشاذلي: "عندما أعبر القناة وأحتل مسافة بعمق 10: 12 كم شرق القناة بطول الجبهة (حوالي 170 كم) سأحرم العدو من أهم ميزتين له؛ فالميزة الأولى تكمن في حرمانه من الهجوم من الأجناب؛ لأن أجناب الجيش المصري ستكون مرتكزة على البحر المتوسط في الشمال، وعلى خليج السويس في الجنوب، ولن يستطيع الهجوم من المؤخرة التي ستكون قناة السويس، فسيضطر إلى الهجوم بالمواجهة وعندها سيدفع الثمن فادحًا".
وعن الميزة الثانية قال الشاذلي: "يتمتع العدو بميزة مهمة في المعارك التصادمية، وهي الدعم الجوي السريع للعناصر المدرعة التابعة له، حيث تتيح العقيدة القتالية الغربية التي تعمل إسرائيل بمقتضاها للمستويات الصغرى من القادة بالاستعانة بالدعم الجوي، وهو ما سيفقده لأني سأكون في حماية الدفاع الجوي المصري، ومن هنا تتم عملية تحييد الطيران الإسرائيلي من المعركة.
حرب أكتوبر 1973
في أكتوبر 1971 أقال السادات الفريق صادق من وزارة الحربية، وعيّن مكانه المشير أحمد إسماعيل، لاختلافه (السادات) مع رؤية صادق لتحرير الأرض، واقتناعه برؤية الشاذلي، إلا أنه لم يأتِ بالأخير وزيرًا للحربية للكاريزما الكبيرة التي يتمتع بها الشاذلي، فأتى السادات بأحمد إسماعيل الذي كان قد أحيل للتقاعد في أواخر أيام عبد الناصر، وبالتالي سيدين للولاء للسادات الذي أعاده للجيش مرة أخرى كقائد عام ووزيرًا للحربية بعد أن "لبس الجلبية" والاستفادة بالشاذلي العنيد، ولكن كرجل ثان، ليست في يده صلاحيات القائد العام، وهذا ستظهر آثاره جلية فيما بعد.
جاء 6 أكتوبر 1973 وشن الجيشان المصري والسوري هجومًا كاسحًا على إسرائيل، بطول الجبهتين، ونفذ الجيش المصري خطة "المآذن العالية" التي وضعها الشاذلي بنجاح غير متوقع، لدرجة أن الشاذلي يقول في كتابه "حرب أكتوبر": "في أول 24 ساعة قتال لم يصدر من القيادة العامة أي أمر لأي وحدة فرعية.. قواتنا كانت تؤدي مهامها بمنتهى الكفاءة والسهولة واليسر كأنها تؤدي طابور تدريب تكتيكي".
تطوير الهجوم شرقًا
نتيجة للموقف السيئ الذي تعرضت له القوات السورية في اليوم السادس للقتال، أرسلت القيادة العسكرية السورية مندوبًا عن العماد مصطفى طلاس وزير الدفاع السوري، للقيادة الموحدة للجبهتين بقيادة المشير أحمد إسماعيل تطلب زيادة الضغط على القوات الإسرائيلية على جبهة قناة السويس لتخفيف الضغط على جبهة الجولان، فطلب السادات من إسماعيل تطوير الهجوم شرقًا لتخفيف الضغط على سوريا، فأصدر إسماعيل أوامره بذلك على أن يتم التطوير صباح 12 أكتوبر، وهو ما عارضه الشاذلي بشدة، معتبرًا أن أي تطوير خارج نطاق الـ12 كيلو التي تقف القوات فيها بحماية مظلة الدفاع الجوي، معناه أننا نقدم قواتنا هدية للطيران الإسرائيلي.
وبناء على أوامر تطوير الهجوم شرقًا هاجمت القوات المصرية في قطاع الجيش الثالث الميداني (في اتجاه السويس) بعدد 2 لواء، هما اللواء الحادي عشر (مشاة ميكانيكي) في اتجاه ممر الجدي، واللواء الثالث المدرع في اتجاه ممر "متلا"(1).
وفي قطاع الجيش الثاني الميداني (اتجاه الإسماعيلية) هاجمت الفرقة 21 المدرعة في اتجاه منطقة "الطاسة"، وعلى المحور الشمالي لسيناء هاجم اللواء 15 مدرع في اتجاه "رمانة".
وكان الهجوم غير موفق بالمرة كما توقع الشاذلي، وانتهى بفشل التطوير، مع اختلاف رئيسي، هو أن خسرت القوات المصرية 250 دبابة من قوتها الضاربة الرئيسية في ساعات معدودات من بدء التطوير للتفوق الجوي الإسرائيلي.
وبنهاية التطوير الفاشل أصبحت المبادأة في جانب القوات الإسرائيلية التي استعدت لتنفيذ خطتها المعدة من قبل والمعروفة باسم "الغزالة" للعبور غرب القناة، وحصار القوات المصرية الموجودة شرقها.
ثغرة الدفرسوار

الموقف في منطقة الدفرسوار مساء 22 أكتوبراللون الأحمر يشير للقوات المصرية والزرقاء تشير للإسرائيلية
المعارك الحربية مثل "لعبة الشطرنج" فحركة واحدة بالخطأ كفيلة لأن يترتب عليها تدهور سريع في الدور كله، هذا ما حدث مع القوات المصرية بعد تطوير الهجوم شرقًا بدوافع قومية؛ فبعد الخسائر الكبيرة في القوات المدرعة المصرية، نجح إريل شارون قائد إحدى الفرق المدرعة الإسرائيلية بالعبور إلى غرب القناة من ثغرة بين الجيشين الثاني والثالث، عند منطقة الدفرسوار القريبة من البحيرات المرّة بقوة محدودة ليلة 16 أكتوبر، وصلت إلى 6 ألوية مدرعة، و3 ألوية مشاة مع يوم 22 من نفس الشهر.
واحتل شارون المنطقة ما بين مدينتي الإسماعيلية والسويس، ولم يتمكن من احتلال أي منهما وكبدته القوات المصرية والمقاومة الشعبية خسائر ربما أكثر فداحة من التي تكبدها شرق القناة.
في هذا التوقيت بالذات حدث الخلاف الأشهر بين السادات وأحمد إسماعيل من جهة وبين الشاذلي من جهة أخرى حول تصفية الثغرة -وهو موضوع يطول شرحه- فكان رأي الشاذلي أن يتم سحب عدد 4 لواءات مدرعة مصرية من الشرق إلى الغرب؛ ليزيد من الخناق على القوات الإسرائيلية الموجودة في الغرب، والقضاء عليها نهائيًّا، وهذا يعتبر -من وجهة نظر الشاذلي- تطبيق لمبدأ من مبادئ الحرب الحديثة، وهو "المناورة بالقوات"، علمًا بأن سحب هذه الألوية لن يؤثر مطلقًا على أوضاع الفرق المشاة الخمس المتمركزة في الشرق.
لكن السادات وأحمد إسماعيل اللذين بينهما مع الشاذلي خلافات قديمة رفضا هذا الأمر، بدعوى أن الجنود المصريين لديهم عقدة نفسية من عملية الانسحاب للغرب منذ هزيمة 1967، وبالتالي رفضا سحب أي قوات من الشرق للغرب، وهنا وصلت الأمور بينهما وبين الشاذلي إلى مرحلة الطلاق، وبدأ السادات يدخل في مفاوضات فض الاشتباك الأول والثاني مع إسرائيل.
من المنفى إلى السجن
السادات عاشق الأضواء والكاميرات في السياسة المصرية بلا منازع، فبعد انتهاء الحرب، وعبور الجيش المصري لشرق القناة، أراد ألا يشاركه أحد في الفرح، أو يزاحمه أمام الكاميرات، فقام بعزل الشاذلي من منصبة في 12 ديسمبر 1973، وعينه سفيرًا لمصر في إنجلترا، ثم سفيرًا في البرتغال. ورغم أن هدف السادات من تعيين الشاذلي سفيرًا في لندن هو إبعاده عن مصر، فإن صراعه (الشاذلي) مع اللوبي الصهيوني في لندن زاده شهرة، حيث اتهمه هذا اللوبي بقتل الأسرى الإسرائيليين في الحرب.
وفي عام 1978، عارض الشاذلي اتفاقية "كامب ديفيد" ووجّه لها انتقادات حادة؛ وهو ما أدى إلى فصله من منصبه، فعاش في المنفى لعدة سنوات.
في سنوات المنفى (بالجزائر) نشر الشاذلي كتابه (حرب أكتوبر)، وكانت عواقب هذا النشر عالية التكلفة، حيث أحيل غيابيًّا لمحكمة عسكرية وصدر ضده حكم بالسجن ثلاث سنوات، ووضع أملاكه تحت الحراسة.
وجهت للشاذلي تهمتان الأولى هي نشر كتاب بدون موافقة مسبقة عليه، واعترف الشاذلي بارتكابها. أما التهمة الثانية فهي إفشاء أسرار عسكرية في كتابه، وأنكر الشاذلي صحة هذه التهمة الأخيرة بشدة، بدعوى أن تلك الأسرار المزعومة كانت أسرارًا حكومية وليست أسرارًا عسكرية.وفي عام 1992، عاد الشاذلي إلى مصر بعد 14 سنة قضاها في الخارج، وتم القبض عليه بالمطار لدى عودته، وقضى الشاذلي بقية مدة عقوبته في السجن، وخرج بعدها ليعيش بعيدًا عن أي ظهور رسمي.

قائد استطلاع الفرقة 19: العدو خدعنا في 67 فخدعناه بقوة في 73





08/10/2007
حوار اخوان اون لاين


اللواء عادل زكريا:
- اليهود كانوا يلعبون الكرة عندما اتخذنا قرار الحرب!
- الصهاينة هربوا من النقاط الحصينة وتهربوا من التجنيد في خط القناة
- اكتشفنا خطة العدو مبكرًا وعلمنا أنه سيستخدم النابالم
- السادات غيَّر اسم جبل المر إلى "الفاتح" بعد عملية ناجحة لقواتنا

حوار- عبد المعز محمد
عقب هزيمة يوينو 1967 توجَّهت أصابع الاتهام لجهاز الاستطلاع بالقوات المسلحة، وحمَّله البعض مسئولية الهزيمة؛ لأنه لم يقدم المعلومات الوافية التي كانت كفيلةً ليس بانتصارنا ولكن بعدم هزيمتنا على الأقل بهذا الشكل، إلا أن الأمر اختلف تمامًا بعد النكسة، وبدأ الاستطلاع المصري يوجه الضربات الواحدة تلو الأخرى في فترة الاستنزاف، وكانت الضربة الكبرى في الساعة الثانية وخمس دقائق ظهر يوم السبت السادس من أكتوبر 1973م العاشر من رمضان 1393هـ.

ولأهمية الدور الذي قام به جهاز الاستطلاع التقى (إخوان أون لاين) مع اللواء أركان حرب عادل زكريا قائد استطلاع الفرقة 19 أثناء حرب أكتوبر ثم قائد استطلاع الجيش الثالث، وأستاذ كرسي الاستطلاع بأكاديمية ناصر العسكرية، وكان هذا الحوار:
* حمَّل كثيرٌ من المحللين جهازَ الاستطلاع مسئولية نكسة 67 لعدم تقديمه المعلومات الكاملة عن العدو للقيادة، فما صحة ذلك؟!
** لم يكن الاستطلاع ضعيفًا في يوم من الأيام؛ لأن مهمة الاستطلاع الأساسية هي الحصول على المعلومات، وفي 67 وعلى مستوى العمليات الحربية كان الاستطلاع كاملاً ومتكاملاً، ولكن أوضاع القوات المسلحة لم تكن جاهزةً للمعركة، فهناك نسبة كبيرة من جيشنا كانت باليمن ولم يكن بسيناء سوى نسبة ضئيلة.

وأعتقد أن هذا هو الذي أثَّر في نتيجة المعركة، في الوقت الذي كان العدو يستعد لهذه الحرب بعد 56 مباشرةً، وخرج بنتيجة مهمة، وهي أن القوات الجوية هي التي تحسم أيَّ معركة، ولذلك استخدم العدو كل قوته الجوية في ضرب قواتنا.

* هل معنى ذلك أن قرار الحرب كان خطأً؟!
** لا يمكن أن نقول ذلك؛ لأننا لم نبدأ بالهجوم، واليهود قاموا بعملية خداع، وأشاعوا أن الحشد على الجانب السوري، إلا أنه كان على الجانب المصري.

عمليات الخداع
* هذا يجعلنا نؤكد ضعف دور الاستطلاع؟!
** على المستوى الإستراتيجي قام الاستطلاع بدوره ولكن كما قلت فإن القوات المسلحة لم تكن بقوة المعركة، إضافً إلى أن عمليات الخداع التي تمَّت كانت أكبر من مستوى "إسرائيل"، بل ومن مستوى مصر؛ لأنها كانت عملية خداع دولي غربي وأمريكي و"إسرائيلي" مشترك بدأت قبل 67 بفترة، وتحديدًا عندما جذبونا لحرب اليمن، وزرعوا الفتنة بين مصر والسعودية، وبدأ الأمر بدخول سرية من قواتنا المسلحة لليمن، وانتهى بأن كان الجيش كله هناك، وقيامه بعمليات كبيرة كنا في غنى عنها، إضافةً إلى المصروفات الهائلة التي أُنفقت على هذه المعارك.

* وهل اختلف الأمر بعد نكسة يونيو؟!
** أريد أن أوضح أن مسألة الحصول على المعلومات قبل النكسة لم تكن من خلال جهاز مستقلّ، وهو الاستطلاع، بل كانت ضمن أعمال المخابرات الحربية والعامة، وهو الأمر الذي دفع القيادة العامة لتشكيل جهاز الاستطلاع بعد النكسة مباشرةً على أن يكون تابعًا للمخابرات الحربية، وأصبح هناك تخصصٌ ملحوظٌ للاستطلاع، وتنوعت اختصاصاته ما بين تكتيكي وتعبوي وإستراتيجي، وله مهمة محدودة، وهي الحصول على المعلومات في أرض المعركة ومسرح العلميات، إضافةً إلى أي معلومات إستراتيجية خاصة بالأسلحة والعمليات؛ مما يعني أن الاستطلاع كان مختصًّا بالنواحي العسكرية الصرفة.

دور الاستطلاع
* متى بدأ تحديدًا عمل جهاز الاستطلاع؟!
** بداية حرب الاستنزاف كانت إعلانًا لبداية جهاز الاستطلاع بالقوات المسلحة المصرية، وقد تم اختياري وقتها رئيسًا لاستطلاع الفرقة 19 بالجيش الثالث الميداني، وبدأ عمل استطلاع الفرقة في الحصول على المعلومات الخاصة بإنشاء النقاط القوية للعدو على طول خط القناة وقوات العدو بجميع تخصصاتها البرية والجوية والبحرية، وكانت مهمتنا هي رصد التحركات وتصوير هذه النقاط والحصول على أسرى، وبالفعل استطعنا في فترة وجيزة معرفة جميع النقاط القوية التي كانت على طول خط القناة، وتحديد أعمال قتال للنقاط القوية والاحتياطات القريبة والبعيدة، والأسلوب المتوقع لإدارة العدو لعملياته بشرق القناة، وبالفعل نجحنا في تنفيذ ذلك.

وكان للمعلومات التي حصلنا عليها دورٌ بارزٌ في خطة العبور، وكان للعمليات التي قُمنا بها تأثير واضح في ضعف الروح المعنوية للعدو، ويكفي أن الجندي الصهيوني كان يندب حظَّه إذا كانت خدمته على خط قناة السويس.

* كيف كان لهذا الدور أهميته؟
** كنت في طريقي للمرور على بعض بعض نقاط الملاحظة على الضفة الغربية بالتعاون مع اللاسلكي فوجدت تدريبًا لقوات العدو بدأ بتمثيل مجموعة منهم عبورنا القناة، ثم إطلاق النيران على قواتنا، ثم قيام القوات الجوية بضرب قواتنا، وتحرك الاحتياط لتنفيذ العمليات المضادة، أي أننا شاهدناهم يطبقون خطةً دفاعيةً كاملةً كانوا سيستخدمونها لو عبرت قواتنا القناة.

ومن متابعتي للتدريب عرفت أنهم سيركِّزون على القوات الجوية بالتنسيق مع الاحتياطي، فأخبرت على الفور القيادة بما رأيته، وأوضحت لهم الخطة كاملةً، وما هي نقاط القوة والضعف فيها، ثم بدأت القيادة في الاستفادة من هذه المعلومات وكيفية التغلب عليها، وهو ما قمنا به في 73؛ حيث عزلنا قوات العدو الجوية عن نقاطه الجوية بقناة السويس، بفضل حائط الصواريخ الذي تم إنشاؤه على جبهتنا، والذي أعطانا فرصةً قويةً لتدمير نقاط العدو القوية على طول خط القناة، وأصبحت هذه النقاط ما بين أسير وقتيل، بل إن بعضهم هرب من هذه النقاط تاركًا وراءه كل أسلحته ومعداته.

* ممَّ كانت تتكون هذه النقاط القوية؟
** كانت عبارة عن نقاط محصَّنة من رمال وخرسانة ومتاريس، وفيها ما بين 10 جنود إلى 100 جندي بكامل أسلحتهم، وفي كثير من الأوقات كان معهم أسلحة الهاون وقاذفات الطائرات المحمولة على الأعناق.

ساعة الصفر
* لقد كانت ساعة الصفر يوم 6 أكتوبر مفاجأةً للعدو، فكيف أعددتم لها؟!
** العبور كان مفاجأة إستراتيجيةً وعسكريةً في وقت واحد، فمن الناحية الإستراتيجية أعلن الرئيس السادات أننا لسنا جاهزين للحرب، وأعلنا عن قصور في القمح، وأن الحالة المادية سيئة؛ مما أعطى انطباعًا عالميًّا بأن الحرب مستحيلة من جانبنا.

أما من الناحية العسكرية فقبل الحرب مباشرةً بدأت القوات المصرية تُجري تدريباتٍ لعبور قناة السويس، فعبَّأ العدو قواته واحتياطه، ثم أنهينا التدريبات، ففكَّ العدو تعبئته، فقمنا بنفس التدريبات مرةً أخرى، فعبَّأ العدو قواته مرةً ثانيةً، ثم سحبنا قواتنا ففكَّ العدو تعبئته، ثم قُمنا بالتدريبات للمرة الثالثة إلا أن العدو لم يهتم بها واعتبرها تدريباتٍ عاديةً لأنه كان في كل مرة يتحمَّل تكلفةً باهظةً؛ لأن قواته هي ذاتها القوة البشرية التي تعمل في مصانعه ومزارعه.

كما قمنا قبل ذلك بتسريح الجنود وفكّ الرديف؛ مما جعل الجميع في حالة يقين بأننا لن نخوض الحرب، حتى إن بعض القادة المصريين كان عنده نفس الاعتقاد؛ ولذلك فنحن عبرنا القناة واليهود يلعبون الكرة، ولم يستطيعوا استخدام المواد الحارقة الموجودة في الأنابيب التي لغَّموا بها قناة السويس؛ مما يؤكد نجاح الخداع العسكري الذي قامت به قواتنا، وكانت صدمة العدو أن تبدأ المعركة بهذه القوة، وأن تستولي قواتنا على بعض النقاط القوية في ساعات محدودة؛ مما أعطى دفعةً معنويةً لنا وهبوطًا لأعدائنا، خاصةً بعد أن وقفت قواتهم الجوية عاجزةً عن القيام بأي ردٍّ؛ لأننا جهَّزنا "دشم" الدفاع الجوي مرةً واحدةً ودون أن يشعروا..أضف إلى ذلك أن العدو لم يكن لديه أي احتمالات للهزيمة، وسأضرب لك مثالاً؛ حيث كانت قوات العدو في عيون موسى تصب علينا نيرانها المكثفة كل يوم قبل العبور، وكانت تضرب مصانع ومعامل تكرير البترول بالسويس، وعندما عبرنا هربت هذه القوات إلى العريش، تاركةً وراءها أسلحتها ومعداتها، وقد اكتشف هروبها دوريةُ استطلاع بقيادة ملازم أول، ولك أن تتخيل كم كانت ستكلِّفنا هذه النقاط من الذخيرة والقوات لكي نقتحمها ونحررها من العدو.

خط بارليف
* كان للاستطلاع دورٌ بارزٌ في اكتشاف خط بارليف والتعامل معه فكيف كان هذا الأمر؟

عبور القوات المصرية لقناة السويس** في صباح أحد الأيام كنت أمرُّ على النقاط القوية لأراقب حركة العدو، فأخبرني أحد الأفراد باللاسلكي أن اليهود كانوا في مياه القناة طوال الليل، وكانوا يقومون بشيء ما فتتبعت حركتهم، ووجدت أن هناط خطًّا مرسومًا من نقطة قوية بشرق القناة إلى قناة السويس، ووجدت حفرًا وردمًا، وأن هناك ماسورةً في المياه فذهبت على الفور لرئيس أركان الفرقة، وهو اللواء عاطف عبد الجبار، فقال لي طالما أن هناك ماسورةً في المياه فلا بد أنها إما تسحب شيئًا أو تضخ شيئًا، وبلغنا هذا التحرك على الفور لإدارة المخابرات، ولم يأت العصر حتى فوجئنا بهم يجرِّبون النابالم في مياه القناة، ورموا قنبلة فسفورية بالقناة فاشتعلت فاكتشفنا أنهم يجرِّبون إنشاء خط بارليف، وأنهم سوف يستخدمون النابالم إذا عبرنا القناة، وشاء الله أن تكون المياه قويةً وقت تجربتهم؛ لأن النيران رُدَّت إلى الشاطئ مرةً أخرى، ولم يحدث انتشار للنيران فانكشف مخططهم وبدأنا نضع في خطتنا استخدام العدو للنابالم وقت العبور، وأحمد الله أنني اكتشفت هذا التخطيط الصهيوني.

أسرار الثغرة
* إذا كان الاستطلاع قد نجح في فترة الاستنزاف وفي الاستعداد لحرب أكتوبر فلماذا فشل في كشف الثغرة؟
** عندما حدثت الثغرة كنت وقتها في مركز القيادة، وقد حصلنا على مخططات تؤكد عبور العدو في وسط الجيش الثاني، إلا أن هذه المعلومات قوبلت باستهزاء من بعض المسئولين؛ بحجة استحالة حدوثها، ثم جاءتنا ونحن في مركز القيادة إشارة من اللاسلكي بأن دبابتين برمائيتين تعبران القناة عن طريق البحيرات وأعطوا تمامًا لقيادتهم ثم بدأت تحركات أخرى للعدو، وقامت بإنشاء رأس كوبري على شاطئ القناة، فأرسلنا إليهم فصيلة لتردهم، ثم سارية، ثم كتيبة، وحدثت اشتباكات، إلا أن المعركة لم تحسم لعدة أمور: أهمها عدم وجود قوات احتياطية في غرب القناة، بعد أن أرسلها الرئيس السادات للمعركة وبناءً على استغاثة الجانب السوري، وقد كانت هذه الخطة موضع الخلاف بين الرئيس السادات والفريق سعد الدين الشاذلي، الذي رأى في عبور الاحتياطي للقناة خطرًا على الجبهة المصرية، وهو بالفعل ما استغله العدو للقيام بثغرة يستطيع من خلالها تدمير خط الدفاع الجوي!!

كما يراه مفكرون وخبراء برنامج حزب الإخوان .. إيجابيات وسلبيات



اسلا اون لاين إعداد - محمد بهاء

د. ضياء رشوان
انتقد عدد من الخبراء والمفكرين المصريين
برنامج حزب الإخوان المسلمين المزمع الإعلان عنه – والذي انفردت إسلام أون لاين بنشر النسخة شبه النهائية له – واعتبره هؤلاء ردة إلى الوراء، وقفزا علي آليات الديمقراطية المتعارف عليها، كما وصفه البعض بالصدمة والبدعة.مفكرون وخبراء آخرون نظروا للبرنامج نظرة أخرى، حيث قرروا أنه كما يحوي بعض السلبيات إلا أنه لا يخلو من إيجابيات.انصبت معظم الانتقادات التي وجهها هؤلاء المفكرون والخبراء على عدة نقاط في البرنامج، أهمها: اقتراح الإخوان بإنشاء مجلس أعلى للفقهاء تكون له صلاحيات رقابية واسعة، واستبعاد غالبية الشعب المصري من الترشح لمنصب رئيس الجمهورية، استنادا لآراء فقهية مردود عليها.
الدكتور ضياء رشوان - مدير تقرير الحالة الدينية والباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية – قال: "إن برنامج حزب الإخوان خرج بالشكل الذي مثل لنا جميعا صدمة، فلم يكن هذا البرنامج هو المأمول من جماعة بحجم الإخوان المسلمين".
واعتبر رشوان البرنامج انتصارا للخط الدعوي داخل الجماعة على الخط السياسي، مما يؤكد أن هذه الجماعة التي خرج منها الحزب هي جماعة أقرب للطبيعة الدينية منها للطبيعة السياسية.
بدعة البرنامج
كذلك وصف رشوان ما ورد في برنامج حزب الإخوان بـ "البدعة"، معللاً ذلك بورود نماذج وأشكال غريبة من الحكم ليس لها علاقة بالإسلام من قريب أو بعيد. وضرب مثالاً لذلك بـ "المجلس الأعلى للفقهاء"، والذي اقترح الإخوان في برنامجهم إنشاءه لمراقبة القوانين، وقال رشوان: "هذا المجلس بدعة مختلقة، لم ترد في الحكم أيام النبي ولا بعده، ولا في نماذج الحكم الموجودة على الساحة".
وأضاف الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية: "إن مقترح الإخوان بإنشاء هذا المجلس لم يرد أيضا في شكل ولا مضمون كافة الأحزاب السياسية التي تنتمي للجماعة في الخارج، ولا حتى القريبة من الجماعة، كحزب العدالة والتنمية في تركيا والمغرب، وحزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن، وجبهة الإنقاذ في الجزائر".وقرر الدكتور ضياء رشوان أن مقترح إنشاء هذا المجلس يطيح بما لا يدع مجالاً للشك بكل الكلام الذي يروجه الإخوان عن المواطنة، كما ينسف هذا المجلس كلام الإخوان عن الديمقراطية وصفها ضياء بـ "المزعومة"، في ظل وجود هذا مقترح بهذا الشكل.
كما أشار رشوان إلى أن تعريف عالم الدين أو الفقيه الذي يختار في المجلس الأعلى للفقهاء وتكون له صلاحية المراقبة لم يكن محددا في البرنامج، وقال: "لم يحدثنا البرنامج عن العلماء الشيعة ووضعيتهم من هذا المجلس، وهل يقصدون بالعالم ذلك الذي ينتمي للمؤسسة الدينية الرسمية؟! وما توصيف العلماء من خارج هذه المؤسسة من وجهه نظرهم؟".
قفز على الديمقراطية
واعتبر الدكتور ضياء رشوان أن حديث الإخوان عن مجلس أعلى للفقهاء هو قفز على الديمقراطية؛ لأنها تمثل جهة رقابية سابقة لمؤسسات تشريعية كالبرلمان، وليست لاحقة، وقال: "هذه إجراءات قد تخالف الآليات المتعارف عليها فيما يتعلق بالديمقراطية، وهي تعكس في نفس الوقت الخطأ الذي وقع فيه البرنامج، وهو فكرة إحياء الدولة الدينية والتي يتحكم فيها رجال الدين، وليس الدولة المدنية كما حاول الإخوان إقناعنا بها في صدر برنامجهم من خلال المقدمة الطويلة في بدايته".
وأضاف رشوان: "البرنامج بصورته الحالية يستبعد أكثر من 60% من المصريين من فرصة تولي منصب رئيس الجمهورية أو الترشح لهذا المنصب من الأصل؛ ذلك لأن البرنامج يشترط أن من يتولى هذا المنصب أو يتقدم له لابد أن يكون مسلما ذكرا، وبالتالي فإن حوالي 51% من الشعب المصري لا يحق له التقدم لهذا المنصب؛ لأنهم حسب آخر تقديرات جهاز الإحصاء والتعبئة من النساء، مضافا لهم عدد تقريبا 9 % أقباط".
وأكد رشوان أن هذا يخالف اجتهادات أخرى لعلماء في قامة يوسف القرضاوي، وطارق البشري، ومحمد سليم العوا، ومحمد عمارة، فيما يتعلق بمنصب رئيس الجمهورية، حيث يعتبر كل هؤلاء هذا المنصب من الولايات الخاصة وليست العامة، في ظل توصيف الدولة المدنية، والتي توزع فيها الصلاحيات بين مؤسسات عدة، وتقريبا يكون منصب رئيس الجمهورية منصبا شرفيا، حيث لا ينفرد بالقرار.
وأنهى الدكتور ضياء رشوان حديثه بالتشكيك في أن الإخوان سيقومون بإجراء تعديلات على برنامجهم وفق ما طرحه هو وغيره من المفكرين بشأن ما رأوه من مناطق خلل في سطوره.
ثلاث ملاحظات

د. عمرو الشوبكي
من جانبه قال الدكتور عمرو الشوبكي - الخبير في شئون الحركات الإسلامية - : "إن البرنامج بلاشك يحمل إيجابيات وسلبيات، وأهم ما يتعلق بالجانب الإيجابي هو الشكل الذي خرج به البرنامج، وفكرة إرساله للمثقفين والسياسيين من خارج الجماعة، فهو شيء محمود، وأما على الجانب الموضوعي، فيحمد للبرنامج اتفاقه مع كافة قوى المعارضة على بعض القواسم المشتركة، منها: إطلاق الحريات العامة، وإلغاء قانون الطوارئ، وحق تكوين الأحزاب".
وأضاف الشوبكي: "ولكن يؤخذ على البرنامج ثلاث ملاحظات، تتعلق أولاها باستبعاد غالبية الشعب المصري من الترشح لمنصب رئيس الجمهورية، حيث استند البرنامج لتفسيرات فقهية ضيقة، متجاهلاً لتفسيرات أخرى حديثة للدكتور القرضاوي وآخرين، ممن لهم مصداقية داخل الجماعة، وينتمون لها في نفس الوقت".
أما الملاحظة الثانية فحددها الشوبكي في اقتراح البرنامج إنشاء مجلس أعلى للفقهاء أو لعلماء الدين، تكون له صلاحية مراقبة الحكومة المنتخبة من الشعب كله، في حين أن هذا المجلس لا يكون منتخبا إلا من مجموعة من العلماء، وتكون له صلاحيات أعلى من المجلس المنتخب من عموم الشعب، والذي يمثل القاعدة الأعم والأكبر.
الملاحظة الثالثة للدكتور عمرو الشوبكي كانت حول إقحام الإخوان في برنامجهم مفهوم المقدس والديني، وجعله في غير محله، فصبغوا الحزب بالصبغة الإسلامية، وأدخلوا الدين في أغلب فقراته دون حاجة لذلك، على حد قول الشوبكي.
رؤية قبطية
أما سامح فوزي – وهو باحث قبطي – فقد علق على برنامج حزب الإخوان قائلاً: "إن برنامج الإخوان تمتع بعدد من المميزات، منها: أن حديثه كان عن دولة قومية وليس عن كيان أممي، وهذه خطوة مهمة، فالبرنامج في بعض تفصيلاته يعكس المصرية، والتي يحتوي معها وفي أرجائها الحضارة الفرعونية والإسلامية والقبطية، وكافة الحضارات والقيم المصرية".
وأشار فوزي إلى أن المصرية إدراك أوسع من الطرح السابق للإخوان والفكرة السائدة لديهم سابقا، وهي فكرة الأمة الإسلامية، والتي يغلب عليها الإطلاقية، ولا تأخذ في اعتبارها أن هناك كيانات صغيرة، ولذلك فالبرنامج يعبر عن المصرية بحق.
وأخذ الباحث القبطي على البرنامج أنه لم يجتهد في حل إشكالية الولاية العامة، في حين هناك مدارس إسلامية أخرى اجتهدت وطرحت حلولاً لهذه الإشكالية في إطار الدولة القومية الحديثة، على سبيل المثال حزب الوسط (تحت التأسيس)، حيث طرح الحزب فكرة أن يتولى القبطي وأن تتولى المرأة رئاسة الجمهورية، على اعتبار أن ذلك من الولايات الخاصة في ظل دولة مؤسسات.
وأضاف فوزي: "إن هذا الطرح هو امتداد حقيقي لاجتهادات وضعها الدكتور محمد سليم العوا، والمستشار طارق البشري، واللذان ذهبا إلى أن رئاسة الجمهورية من الولايات الخاصة في دولة المؤسسات، وهذه الولايات لا يستطيع صاحبها أن يتصرف بمفرده، ويظل محكوما بضوابط مؤسسية وقانونية تحول دون انفراده بالسلطة، ومن هنا لا يهم أن يكون شاغل هذا الموقع مسلما أو غير مسلم، طالما أنه مواطن ويلتزم بالنظام العام".
تحت تهديد السلاح
من جانبها رفضت الكاتبة صافيناز كاظم التعليق على البرنامج، مقللة من قيمة هذا الطرح، ومناقشة مثل هذه الموضوعات، خاصة وأن الإخوان مضطهدون في كل مكان، وتنصب لهم المحاكمات العسكرية.
وقالت صافيناز: "إن من الصعب مناقشة برنامج للإخوان، وهم تحت تهديد السلاح، والمحاكمات والاعتقالات تجري لهم كل يوم وليلة"!!.
ولفتت صافيناز النظر إلى أن العبرة ليست فيما كتب الإخوان، ولكن تبقى في التطبيق والممارسة، فمن السهل تنميق الكلام وتزيينه.
البشري يرفض التعليق
حاولنا التعرف على رأي المستشار طارق البشري – المفكر ونائب رئيس مجلس الدولة المصري السابق – إلا أنه رفض التعليق على برنامج حزب الإخوان في هذا الوقت، وطلب التأجيل لعدة أيام، معللاً ذلك بأن البرنامج وصل إليه في وقت مبكر، إشارة منه إلى أنه كان من الذين تم أخذ رأيهم من قِبَل الإخوان في المسودات الأولى لبرنامج حزبهم.
المرشد يرد

أ. مهدي عاكف
من جانبه فإن الأستاذ محمد مهدي عاكف - المرشد العام للإخوان المسلمين – أوضح في تصريحات لعدة مصادر أن البرنامج تم وضعه وفق رؤية واختيار عقائدي، لا يمكن المساس بخطوطه العريضة والتي استند فيها علي العقيدة والشريعة واجتهادات الفقهاء الكبار وإجماع الأئمة.
وقال عاكف: "إن الإخوان قاموا بإرسال البرنامج للنخب والمثقفين لتجميع وجهات النظر المتعارضة والمختلفة مع الخط الأساسي للبرنامج، ومن ثم تقريب هذه الاختلافات أو على الأقل الاستفادة منها".
وفيما يتعلق بالمواصفات التي وضعها البرنامج لرئيس الدولة، قال عاكف: "إن هذا الاختيار جاء متوافقا مع الشريعة الإسلامية، وهو لا يتعارض في نفس الوقت مع المواطنة، فنحن قبل أن ننشغل بكسب رضى المفكرين والمثقفين عن برنامجنا، مشغولون أن يرضي هذا البرنامج ربنا".
وحول اقتراح البرنامج إنشاء مجلس أعلى للفقهاء له صلاحيات رقابية، وهو ما انتقده المفكرون، قال عاكف: "إن هذا المجلس استشاري، وهو عبارة عن هيئة منتخبة، حتى لا تصدر تشريعات وقوانين مخالفة للنصوص وما استقر علية الدين، وتسري قراراته على كافة المؤسسات الأخرى المنتخبة".

برنامج الإخوان .. وثيقة دخول للمأزق






خليل العناني من اسلام اون لاين





"لأول مرة منذ ثمانين عاما تطرح جماعة الإخوان المسلمين في مصر برنامجا حزبيا"، بهذا يفتتح الباحث خليل العناني - الباحث في شئون الحركات الإسلامية - بحثه عن برنامج حزب الإخوان المسلمين، معتبرا إرسال البرنامج للنخب بادرة إيجابية لإثبات حسن النية، لكن هذا لم يمنعه أن يرى في طريقة إذاعة البرنامج أنه قد تخللها لبس، حيث تم تمرير البرنامج بسرية تامة إلا من تسريبات هنا وهناك، وكان الأجدر أن يتم إعلان البرنامج على أصحابه الأصلاء: الشعب المصري، بنخبه وعوامه، عن طريق مؤتمر صحفي عام، ويصبح للجميع حق الإشادة أو حق التحفظ.
يرى العناني البرنامج أول وثيقة إخوانية تصدر بشأن حزب سياسي، وما عدا ذلك مجرد إعلان نوايا بأوراق سياسية لم تكتمل، وبالتالي صار للإخوان في رأيه معيار للاحتكام والمساءلة، ومؤشر للتطور واقتحام الحواجز.
الوثيقة ليست نبتا عفويا، بل يدفعها تاريخ من التجريب السياسي كما تؤكده الدراسة، بدأ بقرار الإخوان بدخول مجلس الشعب عام 1984، عبر حزب الوفد، حيث بزغت أولى قناعات العمل الحزبي، وضرورة تأسيس حزب من أجل التكامل والشمول، بحسب عمر التلمساني، الذي ترجم هذه الرؤيا عام 1986 في حزب الشورى، ثم تجددت في أوائل تسعينيات القرن الماضي مع حزب الإصلاح، لحقها محاولة الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح التي أحيطت بالسرية، ثم حزب الأمل لصاحبه محمد السمان، والخامسة والأخيرة مشروع حزب الوسط الذي أثار جدلاً وانشقاقا.
ثم جاءت المحاولة الأخيرة في منتصف يناير 2007، حين أعلن المرشد العام للإخوان المسلمين محمد مهدي عاكف عن نية الجماعة تأسيس حزب سياسي، وصفها العناني بأنها أقرب لرد الفعل على حملة التصعيد التي تعرضت لها الجماعة عقب أحداث جامعة الأزهر، أكثر من كونها تعبيرا عن مراجعة فكرية بضرورة وجود حزب سياسي يعبر عن الجماعة ويحقق طموحاتها السياسية، مشيرا إلى أنه في الغالب قد تلقى هذه المحاولة مصير ما لقيته سابقاتها.
ملاحظات شكلية وموضوعية
وفي تقييم الباحث للبرنامج قال: "يكاد يكون البرنامج أقرب لوثيقة "دينية" إرشادية (وعظية) أكثر من كونه برنامجا سياسيا برجماتيا، فهو إذ يستعرض الواقع المأزوم الذي تعيشه البلاد، يحاول ترسيخ فكرة "الحل الإسلامي"، بصيغته الفضفاضة، وليس من خلال رؤية سياسية "مدنية" واقعية".
وقد أوضح العناني ذلك من خلال بعض الملاحظات الشكلية منها:
- تصدير البرنامج بديباجة إنشائية تشرح الوضع المأزوم، وهو ما يعطي انطباعا بأن بقية البرنامج سيركز على تشخيص الواقع دون طرح رؤية واقعية لكيفية معالجة هذه الأوضاع المأزومة التي تعيشها مصر.
- تداخل المبادئ والسياسات وطرق المعالجة، عكس قدرا من التخبط وغياب الرؤية المتكاملة.
- عدم التوازن بين التعميم والتفصيل بين بنود البرنامج.
- هيمنة منطق الاحتراز والتحوط والتخوف من الوقوع في المحظور.
- الإفراط في استخدام مفاهيم واصطلاحات ليست محل خلاف، مثل: الحرية والعدالة والمساواة، التي جاءت غير واضحة، والشورى ومدى ارتباطها بالديمقراطية، والدولة المدنية ... إلخ.
وعن الملاحظات الموضوعية على البرنامج قال الباحث: "بدا حشر المادة الثانية من الدستور المصري التي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع ملفتا للنظر، فلا مبرر من الانطلاق من عنصر راسخ في الدستور".
ومن الملاحظات الموضوعية التي أخذها العناني على البرنامج:
- اهتم البرنامج بالإصلاح السياسي والدستوري، وكان الأجدر أن تتم إضافة "الإصلاح الديني" كمنطلق أساسي لبقية جوانب الإصلاح.
- سيطرة سمة التردد والغموض على بنود الحزب.
- تبدو الأهداف التي وردت في برنامج الحزب كما لو كانت تجميعا لشتات من الأمنيات الشاردة التي وُضعت في قالب واحد فانكشف نشازها، واتسامها بقدر من العمومية والتبسيط، يسهل على أي تجمع أو تنظيم سياسي أو أهلي أن يضعها كأهداف عامة لبرنامجه.
- خلا برنامج الحزب من الإشارة للوصول إلى السلطة، مع أنها هدف رئيسي لأي حزب سياسي.
- أي برنامج حزبي لا بد أن ينصرف إلى الجوانب العملية البراجماتية "برنامج سياسي مدني"، بعيدا عن مظلة السلوكيات والأخلاق، إلا أن برنامج حزب الإخوان انشغل في أهدافه بالتأكيد على نشر وتعميق الأخلاق والقيم الحقيقية لمبادئ الإسلام.
السياسات والإستراتيجيات
وفي تعليقه على الجزء الخاص بالسياسات والإستراتيجيات في برنامج حزب الإخوان، يقول الباحث: "هذا القسم يمثل حجر الزاوية في تقييم البرنامج الحزبي للإخوان؛ ذلك أنه يحدد طبيعة التفكير السياسي السائد داخل الجماعة، وقد عبر بشكل وافٍ عن مدى ضعف الخيال والتنظير السياسي داخل الجماعة، حيث يلاحظ أن البرنامج يرتكن إلى مقاصد الشريعة الإسلامية، وهو أمر يحتاج جهدا طائلاً من الجماعة لفهم وتقنين منهج المقاصد، ولا أظن أن الجماعة لديها الوقت للقيام بذلك".
ويتابع العناني: "كما أن النص على حماية مقاصد الشريعة يعني أن أحد أهداف الحزب الرئيسية تطبيق الشريعة، وهو هدف مسكوت عنه في البرنامج بشكل يبدو متعمدا، وكان الأولى الإعلان عن ذلك صراحة كما فعل حزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن".
ويرى الباحث أن تأكيد الحزب على ضرورة تطبيق مرجعية الشريعة الإسلامية من خلال هيئة كبار علماء الدين يدشن لإقامة حكم ثيوقراطي يسلِّم رجال الدين أعنة السلطة، مما يضعنا أمام نخبة شيعية للحكم، أقرب إلى النموذج الإيراني القائم على ولاية الفقيه.
الدولة والنظام السياسي
وعن الدولة والنظام السياسي، يشير البرنامج إلى أن الإسلام رسخ نموذجا للدولة، وهو قول مردود عليه، فالإسلام لم يفرض نموذجا محددا للدولة، ولم يرد في القرآن أو السنة نصا يحدد ملامح هذه الدولة ونظامها السياسي، وكان أجدر بالجماعة أن تراجع أدبيات الحركة الإسلامية في هذا المجال، ومنها حزب العدالة والتنمية.
ويرى الباحث أن هناك استخداما عشوائيا لمصطلحات خصائص الدولة وفقا للتصور الإسلامي، فتعريف الدولة بأنها دولة مواطنة هو تعريف فضفاض لا يجيب على أسئلة كثيرة مطروحة على الجماعة، مثل تولي المرأة أو النصراني منصب رئاسة الدولة، بوصفهما مواطنين مصريين.
أما الدولة الدستورية حسبما يحددها البرنامج، فهي تتعارض شكلا وموضوعا مع ما طرحه البرنامج في بند الأسس والإستراتيجيات حين تحدث عن إقامة هيئة علماء.
وفي البرنامج خلط كبير بين مفهوم الشورى والديمقراطية، ويتساءل العناني: ما هي قواعد الشورى التي يمكن تطبيقها في شئون إدارة الحكم، وإذا كان لا فرق بين المفهومين - حسب الجماعة - فلماذا الإصرار على استخدام مصطلح الشورى بدلاً من الديمقراطية؟.
وتمنى الباحث على الجماعة قراءة ما كتبه أقرانهم في هذا المجال، أمثال راشد الغنوشي، وحسن الترابي، وسعد الدين العثماني، أو ما اجتهد فيه علماء مثل يوسف القرضاوي، وطارق البشري، وسليم العوا.
ويتوقف الباحث عند "الوظيفة الدينية" التي تحدث عنها البرنامج قائلاً: "ابتكر العقل الإخواني وظائف جديدة للدولة المدنية، وهي "الوظيفة الدينية" وهذا المصطلح يبعث في النفس هواجس كثيرة، إذ سيرسخ استخدام هذا المصطلح في الأذهان أن الإخوان يسعون إلى تأسيس حزب ذي "مرجعية دينية" وليست "إسلامية"، كما أنه بالنظر إلى الوظيفة الدينية تبدو الصورة قاتمة للغاية، فالبرنامج يحدد الوظيفة "الدينية" الأولى للدولة الإسلامية في حماية وحراسة الدين، وفيها يقرر البرنامج ضرورة حماية الدولة الإسلامية لممارسة العبادات، وإزالة ما يعترضها، وأن يقوم رئيس الدولة ورئيس الوزراء بالتأكد من تحقق ذلك!! وهو ما يدفع ضمنا لتفعيل مبدأ "الحسبة".
وتأكيد البرنامج على أنه لكي يكون رئيس الدولة ورئيس الوزراء قادريْن على تفعيل مبدأ "الحسبة" فلا بد من أن يكونا عالمين بأمور الدين؛ حتى يمكن لأي منهما تطبيقها، ويعفي البرنامج غير المسلم من هذه المهمة على اعتبار أنه غير متفقه في الدين، وبالتالي لن يحق لأي شخص غير متفقه في الدين الترشح لهذين المنصبين، ولن يحق لأي شخص خارج المؤسسة الدينية تولي هذين المنصبين.
ويؤكد الباحث أن الجماعة في حديثها عن النظام السياسي حاولت التخلص من عيوب النظام السياسي القائم في مصر، بإزالة كافة القيود التي تعترض طريق الجماعة في ممارسة العمل السياسي، سواء من حيث منظومة الحريات (أحزاب، صحافة، إعلام) أو من ناحية المحاسبة والمساءلة وتصفية ملفات الفساد، أومن حيث إنهاء احتكار الحزب الحاكم للسلطة، وإجراء انتخابات حرة نزيهة.
السياحة والاقتصاد
وتنتقد الدراسة وضع نص في البرنامج يفرض على السياح احترام وعادات وتقاليد الشعب المصري، أو التعرف على ضوابط الشريعة الإسلامية قبل أن تطأ أقدامهم أرض مصر، وتتساءل الدراسة: كيف سيضمن الإخوان عدم انتهاك الأجانب للسلوك الإسلامي؟.
ووصف الباحث مصطلح "مرجعية النظام الاقتصادي الإسلامي" بالحجر الأصم الذي تم حشره كي يتناغم مع مصطلحات "وظائف دينية" و"دولة إسلامية" و"مرجعية مقاصد"... إلخ.
وينتقد العناني إلغاء البورصة وسوق الأوراق المالية دون وضع بديل، كما أن رفض سعر الفائدة كنظام لإدارة الأصول والأرباح يتطلب وضع أداة بديلة عملية ومناسبة يمكن التعاطي من خلالها مع مسائل الادخار والاستثمار.
وحول تنفيذ الحدود في العقوبات التي وردت في البرنامج، يتساءل الباحث: هل الظروف الحالية ملائمة لتفعيل نظام الحدود؟ وكيف يمكن تكييف العلاقة القضائية بين نظام الحدود والقوانين المدنية الحديثة؟.
استخلاصات
وخلص الباحث إلى مجموعة من الاستخلاصات، منها:
- البرنامج لا يتلاءم مع التاريخ الطويل للإخوان.
- أبرز البرنامج غموض الفكرة الديمقراطية لدى الإخوان، كما كشف غياب المشروع الفلسفي (التنويري) لدى الجماعة، والاهتمام بالفرعي على حساب الجوهري.
- كان الأجدى للإخوان أن يكون البرنامج شعبيا لا نخبويا.
- يبدو البرنامج خليطا من أفكار ورؤى جامدة، وهو ما يشكل صعوبة في تسكين الحزب الإخواني ضمن نموذج للتيار الإسلامي، حيث يتراوح النموذج بين نموذجين كلاهما أسوأ من الآخر، هما النموذج الإيراني (بالحديث عن ولاية الفقهاء)، ونموذج طالبان (بتطبيق مبدأ الحسبة)، وكنا ننتظر نموذجا يقترب من نموذج رجب طيب أردوغان في تركيا.
وطالب الباحث الإخوان بدفع فاتورة تأسيس حزب سياسي، من خلال القيام بعمل إصلاحات جذرية في الجماعة من أجل تحويلها من جماعة دينية (دعوية) حسبما تؤمن بذلك شريحة واسعة من أعضائها، إلى جماعة سياسية بحتة لا مكان فيها للوعظ والإرشاد، مطالبا الجماعة بتطوير التراث الموروث عن الإمام حسن البنا، وإعادة تقديمه بشكل يتناسب مع واقع وظروف عام 2007، بدلاً من الوقوف عند عام 1938 الذي شهد التأسيس الحقيقي للجماعة في مؤتمرها الخامس.
سيناريوهات محتملة
وأخيرا تضع الدراسة عددا من السيناريوهات للعلاقة بين الحزب والجماعة:
السيناريو الأول: التحول كليا إلى حزب سياسي، مع وجود جمعية أهلية تمارس دورا اجتماعيا واقتصاديا، ليس لها علاقة بالحزب، وهذا السيناريو يلقى تأييدا من التيار الإصلاحي داخل الجماعة، وهو تيار ضعيف.
السيناريو الثاني: أن تظل الجماعة جسدا برأسين ؛ بتأسيس حزب يكون جزءا من الجماعة، وليس مفصولا عنها، وذلك بشكل مؤقت إلى أن تصبح هناك حياة ديمقراطية سليمة في مصر، حينئذ يمكن أن تتحول الجماعة كلية إلى حزب.
السيناريو الثالث: حزب من داخل الجماعة - على غرار التجربة الأردنية - بحيث يكون الحزب جزءا من الجماعة وبشكل مستمر ودائم، كما لو كان ذراعها السياسي، وهذا السيناريو تؤيده غالبية القيادات المحافظة في الجماعة.
وهناك سيناريو بديل للسيناريوهات السابقة، وهو سيناريو حزب العدالة والتنمية المغربي الذي انبثق عن جمعية التوحيد والإصلاح المغربية عام 1998، حيث تمر الجماعة بمرحلة انتقالية تبدأ بصيغة جمعية أهلية، إلى أن يتم تغيير البنى الفكرية والتنظيمية والهيكلية للجماعة، بحيث يصبح أعضاؤها مؤهلين للانخراط في بناء حزب سياسي على أسس مدنية وليست دينية، وحتى حدوث مثل هذه الانفراجة يمكن للجماعة العمل على تأهيل و"تسييس" أعضاءها كي يصبحوا أكثر قدرة على إدراك كلفة العمل السياسي بأبعاده النظرية والعملية.

هل تراجع الإخوان؟ بقلم الدكتور رفيق حبيب


04 / 10 / 2007
أظن أن حالة الجدل حول برنامج الإخوان، سوف تكون في النهاية مرحلة مهمة للجماعة وللمناخ السياسي العام، فالجدل حول الأفكار والبرامج يخرجنا من الحديث حول الصراعات السياسية الحادثة، للحديث عن أفكار للمستقبل. وما قدمته جماعة الإخوان المسلمين، يقترب من المسودة الكاملة للقضايا التي يثيرها تطبيق المشروع الإسلامي في الوقت الراهن.
وحول ما طرحته الجماعة من أفكار، نحتاج لجدل مثمر يصل بنا لتصورات جديدة، ويثري فكر الجماعة، كما يثري الفكر السياسي بالقضايا الأساسية للمشروع الإسلامي، باعتباره أحد الأطروحات الهامة في الحياة السياسية في البلاد العربية والإسلامية.
صحيح أن الكثير من الجدل دار حول الهجوم على البرنامج وعلى نقاط معينة فيه، مما يؤثر سلبا على حالة الحوار المطلوبة، ولكن حالة الجدل في نهاية الأمر، تكشف في الواقع عن العديد من المشكلات في فكرنا السياسي، خاصة تلك المشكلات المرتبطة بالمفاهيم السياسية المتأثرة بالتجربة السياسية الغربية، وتلك المرتبطة بالمشروع السياسي العلماني الغربي، خاصة عندما تقارن بالمفاهيم السياسية الخاصة بالمشروع الإسلامي.
ومن أهم تلك المشكلات في تصورنا، تلك التي ظهرت في بعض العبارات المستخدمة لنقد برنامج الإخوان المسلمين، والمتمثلة في القول بأن ما حدث هو عودة للخلف، وأنه ردة، وانتكاسة كبرى، ودخول في النفق المظلم، وغيرها من التعبيرات. والحقيقة أنني تساءلت عن معنى العودة للخلف، وما هو الأمام إذن، وكيف يتجه الفرد للأمام، ويتجنب الرجوع للخلف. ففي هذه التعبيرات العديد من الدلالات المهمة، والتي تكشف لنا في الحقيقة عن أزمتنا السياسية، وأزمة فكرنا السياسي.
فالآراء التي اتهمت جماعة الإخوان المسلمين بالعودة للخلف والتراجع، قامت على نقد البعد الإسلامي في البرنامج، واعتبرت أن الصياغة ذات المدلول الديني، وكذلك الحديث عن دور للعلماء في التشريع، رغم أنه دور استشاري، وقالت بعض الآراء أنه أكثر من كونه دورا استشاريا، وهذا غير حقيقي، والحديث عن الوظائف الدينية للدولة، والتي تتمثل في مهام يقوم بها رئيس الدولة، كل هذا وغيره يمثل عودة للخلف. وهنا علينا ضبط المعيار، فالتقدم للأمام يتمثل في طرح أراء جديدة، ويمكن القول بأن برنامج الإخوان لم يأت برأي جديد، بل طرح رؤيتهم المتفق عليها في صوره متكاملة، وهذا غير دقيق. ولكن المشكلة أن المقصود بالتراجع، كان يعني في رأي المنتقدين، التراجع عن الديمقراطية والدولة المدنية، والعودة للدولة الدينية. ولكن جماعة الإخوان لم تدعو في يوم من الأيام للدولة الدينية، لأنها فكرة تتعارض مع الإسلام نفسه، وهي فكرة مرفوضة تاريخيا وعلميا. وبالتالي مازالت جماعة الإخوان ملتزمة بالدولة الإسلامية، وهي بالتعريف المتفق عليه تاريخيا، دولة مدنية. فهل تراجع الإخوان عن الديمقراطية؟
الواضح من قراءة نص البرنامج، أنه في الغالب الأعم أكد على مختلف آليات العمل الديمقراطي، بصورة كلية وصورة جزئية وتفصيلية، وهو ما يعني أن البرنامج يمثل التزاما من الجماعة بكل آليات العمل الديمقراطي، وتأكيدا على أن الشورى تتحقق من خلال آليات العمل الديمقراطي، مما يعني أن الالتزام بالشورى يؤدي إلى التزام بالديمقراطية. وكل هذا يؤكد على أن الجماعة تتمسك بفكرة تطبيق النموذج الإسلامي السياسي من خلال آليات العمل الديمقراطي. وهنا نلمح من يقول بأن تلك الديمقراطية ناقصة، ونقصانها يعني أن الجماعة تراجعت للوراء.
ولكن ما هي الديمقراطية الناقصة؟ هي في الواقع الديمقراطية التي لا تسمح بتحقيق أن الأمة مصدر السلطات، وأنها هي التي تنتخب من تريد، وهي التي تحاسب وتساءل من تنتخبه. والبرنامج أكد على هذه المعاني بوضوح، ولكن البعض يرى مثلا أن قصر منصب رئيس الدولة على أفراد بخصائص محددة هو ضد الديمقراطية، وهذا غير دقيق، ففي كل مشروع هناك شروط لمن يتولى رئاسة الدولة، وتلك الشروط يعرضها كل تيار سياسي، ويختار على أساسها، والقرار النهائي يكون للناس.
والمشروع الإسلامي برمته، لا يمكن تطبيقه دون إجماع الناس عليه، وعندما تجمع الناس على ذلك المشروع، وتنتخب من يمثل هذا المشروع، إذا أجريت انتخابات نزيهة، يصبح اختيار المرجعية الإسلامية، قرارا شعبيا من خلال الانتخابات
وهنا علينا التفرقة بين رأي التيار السياسي، وآلية العمل السياسي. بمعنى أن لكل تيار رأيه، ولكن على كل التيارات الاتفاق على آلية الديمقراطية، بوصفها القاعدة المنظمة للعمل السياسي. وبهذا يكون المعيار الصحيح للحكم على برنامج الإخوان، من حيث قدرته على التكيف مع آليات العمل الديمقراطي وجعلها وسيلة لتحقيق الشورى التي يؤمن بها، تتمثل في ما حققه من ترسيخ لحق الأمة كمصدر وحيد للسلطات. وهذا الأمر تحقق بنسبة كبيرة، ولكن بسبب الشبهات التي تثار حول المشروع الإسلامي، ربما يحتاج الأمر بعض التأكيد.
فمشروع الجماعة يقدم رؤيتها ولا يفرض هذه الرؤية على أحد، ولا يفرضها على التيارات السياسية الأخرى، ولا يفرضها على النظام السياسي القائم، وبالتالي لا يفرضها على الناس. وهنا يكون البرنامج قد حقق الشروط الديمقراطية، وأكد على مدنية الدولة، وترك الحرية للناس للاختيار بين البدائل السياسية. ومع ذلك نرى من يقول بأن دور العلماء الاستشاري ووظائف الدولة الدينية(حراسة الدين)، تؤدي إلى هدم الديمقراطية. وهذا أمر غير حقيقي، لأن لكل تيار تصوره عن دور الدولة، والمهم أن تظل الدولة وكيل عن الأمة، وتظل الأمة قادرة على محاسبة الدولة. وهنا تبرز مشكلة حقيقية، أن بعض الآراء تعتبر التقدم والتراجع مقاسا على الديمقراطية والمدنية القائمة على العلمانية، أي فصل الدين عن الدولة.
وبرنامج الإخوان يقوم بالطبع على ربط الدين كمنظم أعلى للشأن العام والسياسي بالدولة. وهنا تبدو بعض الآراء، وكأنها ترى أن البرنامج قد أبعد جماعة الإخوان عن القبول الجزئي بالعلمانية، وبهذا تراجع الإخوان عن قبول العلمانية جزئيا، ولكن من قال أصلا أن الجماعة كانت بصدد قبول العلمانية جزئيا! الحقيقة أن الجماعة لم تتراجع عن موقفها بجعل آليات العمل الديمقراطي هي القواعد المنظمة للعمل السياسي.

الإخوان في برنامج حزبهم.. ظالمون ومظلومون بقلم / الاستاذ فهمى هويدي



03 / 10 / 2007
آثار برنامج الحزب الذي أعلنته جماعة الإخوان المسلمين في مصر تعليقات كثيرة، خصوصاً أن مشروع البرنامج وزع على عدد غير قليل من aالمثقفين لإبداء الرأي فيه، قبل أن يصدر في صيغته النهائية. وفي حدود ما نشر حتى الآن في مصر على الأقل، فإن الأغلبية الساحقة من التعليقات جاءت سلبية، حيث وجهت سهام النقد إلى البرنامج في ثلاثة مواضع هي: النص في البرنامج على هيئة من كبار العلماء يجب ان تستشيرها السلطة التشريعية فيما تصدره من قوانين الأمر الذي اعتبره البعض تكريساً لفكرة الدولة الدينية الموقف من الأقباط ـ الموقف من المرأة. وبالتركيز على هذه النقاط فإن التعليقات في مجموعها ثبتت من الصورة النمطية التي تشكلت في الأذهان، عن الحركات الإسلامية التي يساء الظن بمشروعها دائماً من قبل البعض، ولا يكاد يذكر لها اسم إلا وتتهم في هذه المواضع الثلاثة.
النقطة الأولى استأثرت بالاهتمام الأكبر سواء من جانب الذين لا يرون في المشروع الإسلامي إلا استنساخا للدولة الدينية في الخبرة الأوروبية، ومن ثم فإن لديهم أحكاما راسخة مسبقة في هذا الصدد، ليسوا على استعداد لتغييرها، أو من جانب بعض العقلاء الذين قرأوا البرنامج قراءة متعجلة، وصدمتهم الإشارة إلى هيئة كبار العلماء والدور المنوط بها، فاصطفوا مع الناقدين، ووجهوا سهامهم بدورهم إلى البرنامج، منددين بموقفه ومحذرين من انزلاق الجماعة نحو تبني فكرة الدولة الدينية. وكانت النتيجة أن اجتمع على نقد البرنامج والتشهير به المغرضون وبعض المخلصين، برغم اختلاف ودوافع ومقاصد كل منهما.
في الأسبوع الماضي نشرت على هذه الصفحة مقالة قدمت نموذجاً لما نتحدث عنه، كان محورها وعنوانها هو: دولة الإخوان الدينية في مصر. وقد حدد كاتبها موقفه مقدماً حين ذكر في البداية أن الجمع بين الدين والدولة فاشية من نوع جديد وحين دخل في الموضوع قال إن برنامج الإخوان مزق إرباً كل المفاهيم المتعلقة بالدولة المدنية، وأقاموا مكانها دولة دينية، تستبعد غير المسلمين من الوظائف العامة، وتقيم هيئة دينية لها المرجعية العليا في القرار، على الأقل في الأمور قطعية الثبوت والدلالة.
هذه الفكرة عبر عنها أكثر من تعليق، بأساليب اختلفت باختلاف موقف كل كاتب، وجميعهم استندوا إلى نص ورد في الفصل الخاص بالسياسات والاستراتيجيات من البرنامج يقرر أن مرجعية الشريعة الإسلامية تطبق بالرؤية التي تتوافق عليها الأمة، من خلال الأغلبية البرلمانية في السلطة التشريعية المنتخبة انتخاباً حراً.. ويجب على السلطة التشريعية من ذوي الخبرة والعلم في سائر التخصصات.. ويسري ذلك على رئيس الجمهورية عند إصداره قرارات بقوة القانون في غيبة السلطة التشريعية.. ويكون للسلطة التشريعية في غير الأحكام الشرعية القطعية القرار النهائي بالتصويت بالأغلبية المطلقة على رأي الهيئة. ولها أن تراجع الهيئة الدينية بإبداء وجهة نظرها فيما تراه أقرب الى تحقيق المصلحة العامة».
هذا النص أثار دهشتي، لأنه يبدو غريباً على خطاب الإخوان، الذي خلا في كل أطواره من الإشارة الى مسألة السلطة الدينية. بل إن الحركة ذاتها لم تجسد هذه الفكرة على مدار تاريخها، إذ باستثناء مؤسسها الشهيد حسن البنا الذي كان من خريجي كلية دار العلوم، فإن مرشديها الستة الذين تعاقبوا بعد البنا لم يكن أحد منهم من علماء الدين، فثلاثة منهم كانوا من خريجي كليات الحقوق (حسن الهضيبي وعمر التلمساني ومأمون الهضيبي) والرابع من خريجي كلية العلوم (مصطفى مشهور) والخامس من ملاك الأراضي الزراعية (حامد أبو النصر) والمرشد الحالي محمد مهدي عاكف من خريجي المعهد العالي للتربية البدنية. حتى مكتب إرشاد الجماعة ظل 90% من أعضائه من المهنيين والتكنوقراط، ولم تزد نسبة الأزهريين فيه على 10% طيلة نصف القرن الاخير.
المفاجأة الأكبر وقعت حين راجعت نسختين لبرنامج حزب الإخوان، الأولى أشير إلى أنها «الإصدار الأول»، وقد وزعت على عدد محدود من الباحثين في شهر أغسطس الماضي. وهي والثانية ـ جرى التنويه إلى أنها «القراءة الأولى» ـ التي وزعت في شهر سبتمبر الفائت على عدد أكبر من المثقفين. إذ اكتشفت أن «الإصدار الأول» خلا من كل الإشارات التي أثارت اللغط والجدل. ولم أكن بحاجة إلى بذل جهد لملاحظة أن لغة «الإصدار الأول» اختلفت عنها في «القراءة الأولى»، وأن النسخة الأولى كان واضحا فيها تأثير المتمرسين بالعمل السياسي، في حين النسخة الثانية وضحت فيها بصمات المنشغلين بالدعوة، الذين يعانون من ضعف الإدراك السياسي، وإذا صح ذلك فإنه يكشف ربما لأول مرة في العلن عن وجود تيارين على الأقل داخل قيادة الجماعة، أحدهما إصلاحي منفتح والثاني محافظ ومنغلق. ويبدو أن كفة التيار الثاني هي الأرجح في دائرة القرار، بدليل أن عناصره استطاعت أن تضيف رؤيتها وتفرضها في النسخة الثانية من البرنامج التي وزعت على نطاق واسع، وحملت عنوان «القراءة الأولى». وفيما علمت فإن الإصلاحيين فوجئوا بإضافات المحافظين على البرنامج، الأمر الذي يدعونا الى القول بأن الرؤية السياسية داخل الجماعة لم تنضج بعد، وأن الحوار بين قياداتها مطلوب لبلورة تلك الرؤية، قبل إجراء الحوار مع المثقفين ونخبة المجتمع الذين وزع عليهم البرنامج.
تسوغ لي هذه الخلفية أن أدعي بأن الإخوان في البرنامج بدوا ظالمين ومظلومين في الوقت ذاته. هم ظالمون لأنه أساءوا التعبير عن أنفسهم، وقدموا صيغة لبرنامج وفر للمتصيدين ذخيرة استخدموها في تخويف الرأي العام وإثارة النفور من الجماعة. وقد سبقت الإشارة إلى أن أصدقاءها المتفهمين لأوضاعها وجدوا أنفسهم مدفوعين إلى التنديد بالبرنامج. وكانوا محقين لدرجة كبيرة فيما ذهبوا إليه. وإذا سألتني لماذا هم مظلومون فردي أن ذلك راجع إلى أمرين: الأول أن النصوص التي انتقدت في البرنامج لم تكن بالتعاسة التي صورت بها، والثاني أن تلك النصوص التي استأثرت بالاهتمام حجبت نقاطا ايجابية في البرنامج لم يلتفت إليها أحد.
خذ مثلاً فكرة هيئة كبار العلماء التي أثيرت من حولها الضجة الكبرى، وأعتبرها فكرة ساذجة لا لزوم لها في الدولة الإسلامية المفترضة، لأن إعداد القوانين في أي دولة ديمقراطية يمر بقنوات ولجان تتحقق من صوابها من جوانب عدة، داخل البرلمان أو مجلس الدولة، ولا حاجة لتأسيس كيان جديد من خارج تلك المؤسسات للقيام بمهمة عدم تعارض القوانين مع الشريعة. مع ذلك فليس صحيحاً أن قرار هذه الهيئة المقترحة ملزم، كما أنها لا تمثل مرجعية عليا في شيء، كما ادعى البعض. فالنصوص واضحة في أن رأي الهيئة استشاري، والمجلس النيابي المنتخب هو السلطة الوحيدة التي لها حق إصدار التشريعات، وللمحكمة الدستورية العليا سلطة الفصل فيما إذا كان القانون مطابقاً للدستور أم لا، بما في ذلك مادته الثانية المتعلقة بمرجعية الشريعة للقوانين، وهو النظام المعمول به حالياً في مصر.
خذ أيضاً الموقف من الأقباط، الذي جرى التعسف في تفسيره على نحو يصعب افتراض البراءة فيه، حين ذكر كاتب مقال الأسبوع الماضي الذي سبقت الإشارة إليه أن البرنامج يستبعدهم من تولي الوظائف العامة، واستطرد مشيرا إلى أنه « يكاد» يستبعدهم من حق الدفاع عن الوطن، الأمر الذي يفتح الباب لعودة فكرة الجزية مرة أخرى. وهو أسلوب في النقد مسكون بالتضليل والتدليس. ذلك أن الإشارة إلى غير المسلمين وحظوظهم من الوظائف العامة وردت في الجزء الخاص بمدنية الدولة، الذي تحدث صراحة عن أن تولي الوظائف في الدولة الإسلامية يتم على أساس من الكفاءة والخبرة. وسبقته إشارات أخرى إلى أن المواطنة هي الأساس وأن جميع المواطنين سواء في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الدين والجنس. غير أن معدي المشروع استثنوا منصبي رئيس الدولة ورئيس الوزراء من الوظائف التي يتولاها غير المسلمين، واستندوا في ذلك إلى أن للدولة الإسلامية وظائف دينية، يعفى منها غير المسلم وقد يسبب القيام بها حرجاً عقيدياً له. وأرادوا بذلك أن يسوغوا استئثار المسلمين بهذين المنصبين فقط. وهو ما يعني أن ما قيل عن حرمان غير المسلمين من تولي الوظائف العليا لا أساس له من الصحة، وأن حكاية الحرمان من الوظائف العسكرية والعودة الى نظام الجزية، هي من قبيل الاختلاف الذي أريد به التشويه لا أكثر.
بالمناسبة فإن فكرة الاحتفاظ بمنصب رئاسة الدولة لأتباع دين معين ليست بدعة في الدساتير الحديثة. إذ هي موجودة في اليونان والدنمارك وإسبانيا والسويد وانجلترا وبعض دول أمريكا اللاتينية. أما إضافة منصب رئيس الوزراء، وقصره على المسلمين دون غيرهم، فهي من أصداء الفكر التقليدي المحافظ الذي عبر عنه الماوردي في «الأحكام السلطانية»، حين فرق بين وزير التفويض (الذي يقابل رئيس الوزراء) ووزير التنفيذ، واشترط الإسلام في الأول دون الثاني. وهي الفكرة التي تم تجاوزها عند الباحثين المسلمين المعاصرين، الذين اعتبروا أنه لا وجه للمقارنة بين وزير التفويض في الازمنة القديمة وبين رئيس الوزراء في زماننا. حتى رئاسة الدولة التي يميل أغلب الفقهاء والباحثين على أن تبقى للمسلمين في الدولة الإسلامية، هناك أكثر من اجتهاد بصددها. حيث يذهب كثيرون ـ منهم الدكتور يوسف القرضاوي ـ أن ذلك لا يحول دون حق غير المسلم للترشح لهذا المنصب.
أما موضوع المرأة، فالبرنامج لم يعترض على توليها الوظائف العامة، وإنما دعا إلى حوار يحدد التفاصيل، بحيث يتم التوصل فيه إلى «توافق مجتمعي تشارك فيه المرأة والرجل بالرأي والقرار» ـ في حين ارتأى واضعو البرنامج ضرورة الاحتفاظ بمنصب رئيس الدولة وحده للرجل، لأن أعباءه لا تناسب المرأة. وهي مسألة اجتهادية لم تحسم تماماً في أوساط الباحثين المسلمين.
فضلاً عن ذلك فإن البرنامج لم يخل من إشارات إيجابية، تمثلت في أمور عدة منها ما يلي:
ـ رفع التناقض بين الشورى والديمقراطية، واعتبار أن الديمقراطية بمعنى المشاركة والمساءلة هي من صميم الشورى.
ـ تأكيد أهمية تداول السلطة ـ تأكيد مدنية الدولة ـ التمسك بالتعددية السياسية مع إطلاق تشكيل حرية الأحزاب دون اشتراط موافقة السلطة
ـ الدعوة إلى إقامة الوحدة العربية قبل التوجه إلى الوحدة الإسلامية.. وفي ذلك تفصيل كثير، لا مفر من الاطلاع على نص البرنامج للوقوف عليه.