Showing posts with label حرب اكتوبر. Show all posts
Showing posts with label حرب اكتوبر. Show all posts

المشير الجمسي.. النحيف المخيف




15/06/2003
أسامة الحسيني
**


عبد الغني الجمسي

بعد انتهاء إحدى جلسات مفاوضات فض الاشتباك الأول (الكيلو 101) التي أعقبت عبور القوات المصرية لقناة السويس في حرب أكتوبر 1973، خرج الفريق عبد الغني الجمسي -رئيس وفد المفاوضات المصري، وكان رئيسا لأركان الجيش- من خيمته للتفاوض دون أن يسلم على أي من أعضاء وفد المفاوضات الإسرائيلي أو تصدر عنه كلمة واحدة، وكانت هذه عادته طوال زمن المفاوضات، فأسرع وراءه قائد الوفد الإسرائيلي الجنرال "عيزرا وايزمان" الذي أصبح رئيسا لإسرائيل فيما بعد، وقال له: "سيادة الجنرال، لقد بحثنا عن صورة لك وأنت تضحك فلم نجد، ألا تضحك أبدا؟!".
فنظر إليه القائد المصري شزرا ثم تركه ومضى.. وبعدها كتب وايزمان في مذكراته عن المشير الجمسي: "لقد هزني كرجل حكيم للغاية، إنه يمثل صورة تختلف عن تلك التي توجد في ملفاتنا، ولقد أخبرته بذلك".

لقاء مع الجنرال
تذكرت هذا الموقف عندما ذهبت لأول لقاء معه قبل أكثر من عام، وكان لقائي الوحيد مع الرجل الذي ارتبط ذكره بالانتصار الأكبر للعرب على إسرائيل والذي كان أحد أبرز رموز العسكرية المصرية والعربية الكبار في القرن العشرين، وظل واحدا ضمن أبرع 50 قائدا عسكريا في العالم ذكرتهم أشهر الموسوعات العسكرية العالمية، إلى أن توفاه الله قبل أيام قليلة (في 7 يونيه 2003م).

حين طلبت من المشير الجمسي اللقاء دعاني بود لمقابلته في جلسته المفضلة بنادي هليوبوليس؛ حيث اعتاد الجلوس مع أصدقائه أمام ملعب الكروكية، كان تصوري أنني سألتقي بجنرال على المعاش من طائفة جنرالات المقاهي الذين يعيش الواحد منهم على ذكريات الماضي يجتر انتصاراته، ويفاخر بمعاركه والحروب التي خاضها، خاصة لو كانت حقيقية ولها تاريخ، لكن كل هذا تغير وانقلب تماما حين وجدتني أمام رجل بسيط متواضع قد لا تستطيع تمييزه عن غيره من الناس الذين تقابلهم في الشارع، وتزاملهم في العمل، وتجاورهم في الأوتوبيس، وتقتسم معهم لقمة بسيطة (فول وطعمية) في أحد مطاعم القاهرة متواضعة الحال.

حين رأيت الرجل عادت إلي أنفاسي التي كانت على وشك الهروب، ليس من رهبة لقاء الجنرال فقط، ولكن من تأثير أجواء هليوبوليس نادي النخبة الأرستقراطية التي احترفت أن تبث فيك -أنت الشاب رقيق الحال- كل معاني التضاؤل. وحين تصافحنا عادت إلي روحي حين وجدت نفسي مع واحد من فلاحي ريف مصر البسطاء، نحيف الجسد دقيق الملامح، كأنما هي منحوتة نحتا، هادئ بسيط وعادي، لا تتصور وهو يكلمك بعادية وتلقائية وهدوء أنه هو الجنرال الذي تمرس على الحياة بين طلقات الرصاص، واحترف العمل في ساعات الخطر. ولولا وقار الرجل وهيبته واسمه الذي تعرفه الدنيا كلها "أشهر من النار على العلم" لكانت جلستنا التي استمرت ساعتين كاملتين من التباسط والحميمية التي لم يتكلفها الجنرال أقرب إلى جلسات أهل الريف تحت أشجار الجميز التي تتخللها أكواب الشاي وأحاديث السمر.

الفلاح جنرالا

بساطة الفلاح وعظمة الجنرال المنتصر هما وجهان لعملة واحدة لم يعرف المشير الجمسي غيرهما في حياته الطويلة التي لم يكن فيها سوى فلاح أو جنرال؛ ففي نهاية عام 1921 ولد الطفل محمد عبد الغني الجمسي لأسرة ريفية كبيرة العدد فقيرة الحال يعمل عائلها في زراعة الأرض في قرية البتانون بمحافظة المنوفية، ولفقر الأسرة المدقع كان الوحيد من بين أبنائها الذي حصل تعليما نظاميا قبل أن تعرف مصر مجانية التعليم، ولعب القدر دوره في حياة الجمسي بعد أن أكمل تعليمه الثانوي، حينما سعت حكومة مصطفى النحاس باشا الوفدية لاحتواء مشاعر الوطنية المتأججة التي اجتاحت الشعب المصري في هذه الفترة؛ ففتحت -لأول مرة- أبواب الكليات العسكرية لأبناء الطبقات المتوسطة والفقيرة التي كانت محرومة منها، فالتحق الجمسي ولم يكن قد أكمل السابعة عشرة بالكلية الحربية مع عدد من أبناء جيله وطبقته الاجتماعية الذين اختارهم القدر لتغيير تاريخ مصر؛ حيث كان من جيله جمال عبد الناصر، وعبد الحكيم عامر، وصلاح وجمال سالم، وخالد محيي الدين... وغيرهم من الضباط الأحرار، وتخرج فيها عام 1939 في سلاح المدرعات، ومع اشتعال الحرب العالمية الثانية ألقت به الأقدار في صحراء مصر الغربية؛ حيث دارت أعنف معارك المدرعات بين قوات الحلفاء بقيادة مونتجمري والمحور بقيادة روميل، وكانت تجربة مهمة ودرسا مفيدا استوعبه الجمسي واختزنه لأكثر من ثلاثين عاما حين أتيح له الاستفادة منه في حرب رمضان.

وعقب انتهاء الحرب واصل الجمسي مسيرته العسكرية؛ فتلقى عددا من الدورات التدريبية العسكرية في كثير من دول العالم، ثم عمل ضابطا بالمخابرات الحربية، فمدرسا بمدرسة المخابرات؛ حيث تخصص في تدريس التاريخ العسكري لإسرائيل الذي كان يضم كل ما يتعلق بها عسكريا من التسليح إلى الإستراتيجية إلى المواجهة. فكان الصراع العربي الإسرائيلي هو المجال الذي برع فيه الجمسي، وقضى فيه عمره كله الذي ارتبطت كل مرحلة فيه بجولة من جولات هذا الصراع منذ حرب 1948 وحتى انتصار 1973، وحتى بعد اعتزاله للحياة العسكرية ظل مراقبا ومحللا للوضع المشتعل، مؤمنا بأن أكتوبر ليست نهاية الحروب، وأن حربا أخرى قادمة لا محالة؛ لأن مواجهة مصيرية لا بد أن تقع، وأن الانتفاضة الفلسطينية هي السلاح الأفضل والأنجع حاليا لضرب العدو الصهيوني، ولا بد من تدعيمها بكل ما نملك.
وكانت هزيمة يونيه 1967 بداية تصحيح المسار في مواجهة آلة الحرب الصهيونية؛ حيث أسندت القيادة المصرية للجمسي مهام الإشراف على تدريب الجيش المصري مع عدد من القيادات المشهود لها بالاستقامة والخبرة العسكرية استعدادا للثأر من الهزيمة النكراء، وكان الجمسي من أكثر قيادات الجيش دراية بالعدو، فساعده ذلك على الصعود بقوة، فتولى هيئة التدريب بالجيش، ثم رئاسة هيئة العمليات، ورئاسة المخابرات الحربية، وهو الموقع الذي شغله عام 1972، ولم يتركه إلا أثناء الحرب لشغل منصب رئيس الأركان.

كشكول الجمسي
لم يضيع الجمسي يوما واحدا؛ فبدأ الاستعداد لساعة الحسم مع العدو الصهيوني، فكان لا يتوقف عن رصده وتحليله وجمع كل المعلومات عنه، وعندما تم تكليفه مع قادة آخرين بإعداد خطة المعركة أخذ يستعين بكل مخزون معرفته، وبدأ تدوين ملاحظاته عن تحركات الجيش الصهيوني، وتوقيتات الحرب المقترحة، وكيفية تحقيق المفاجأة. وللحفاظ على السرية التامة دوَّنَ كل هذه المعلومات السرية في الشيء الذي لا يمكن لأحد أن يتصوره؛ فقد كتب الجمسي كل هذه المعلومات في كشكول دراسي خاص بابنته الصغرى؛ فلم يطلع عليه أو يقرؤه أحد إلا الرئيس المصري أنور السادات والسوري حافظ الأسد خلال اجتماعهما لاتخاذ قرار الحرب!

واختار القائد المصري المحنك توقيت الحرب بعناية بالغة: الساعة الثانية ظهرا من يوم السادس من أكتوبر 1973 الموافق العاشر من رمضان 1393، وهو أنسب توقيت ممكن للحرب؛ نظرا لوجود 8 أعياد يهودية وموافقته لشهر رمضان. ولأن التنسيق بين الجيشين المصري والسوري كان من أصعب مهام الحرب، ويحتاج إلى قائد من طراز فريد؛ لم يكن هناك أفضل من الجمسي.

ساعات عصيبة
عاش رئيس هيئة العمليات المسئول الأول عن التحركات الميدانية للمقاتلين ساعات عصيبة حتى تحقق الانتصار، لكن أصعبها تلك التي تلت ما عرف بثغرة الدفرسوار التي نجحت القوات الصهيونية في اقتحامها، وأدت إلى خلاف بين الرئيس السادات ورئيس أركانه وقتها الفريق سعد الدين الشاذلي الذي تمت إقالته على إثرها ليتولى الجمسي رئاسة الأركان، فأعد على الفور خطة لتصفية الثغرة وأسماها "شامل"، إلا أن السادات أجهضها بموافقته على فض الاشتباك الأول عقب زيارة وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر للقاهرة!
وبانتهاء المعركة وتكريم اللواء الجمسي، وترقيته إلى رتبة الفريق، ومنحه نجمة الشرف العسكرية.. لم تنته الساعات العصيبة في حياة الجمسي؛ فقد عاش ساعات أقسى وأصعب؛ هي ساعات المفاوضات مع عدو ظل يقاتله طيلة أكثر من ربع قرن.

دموع وندم

اختار السادات الفريق الجمسي ليتولى مسئولية التفاوض مع الإسرائيليين فيما عرف بمفاوضات الكيلو 101، وكقائد تجري دماء العسكرية في دمه نفذ الجمسي أوامر القيادة التي يختلف معها، وإن كان قد قرر ألا يبدأ بالتحية العسكرية للجنرال "ياريف" رئيس الوفد الإسرائيلي، وألا يصافحه، وهذا ما حدث فعلا. وبدا الرجل مفاوضا صلبا مثلما كان عسكريا صلبا، حتى جاءت أصعب لحظات عاشها الفريق في حياته كلها، لحظات دفعته -لأول مرة في حياته العسكرية- لأن يبكي! كان ذلك في يناير 1974 عندما جلس أمامه وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر ليخبره بموافقة الرئيس "السادات على انسحاب أكثر من 1000 دبابة و70 ألف جندي مصري من الضفة الشرقية لقناة السويس!! فرفض الجمسي ذلك بشدة، وسارع بالاتصال بالسادات الذي ما كان منه إلا أن أكد موافقته؛ ليعود الرجل إلى مائدة التفاوض يقاوم الدموع، ثم لم يتمالك نفسه فأدار وجهه ليداري دمعة انطلقت منه حارقة؛ حزنا على نصر عسكري وأرواح آلاف الرجال تضيعها السياسة على موائد المفاوضات. وكانت مفاجأة لهنري كيسنجر أن يرى دموع الجنرال الذي كثيرا ما أسرّ له القادة الإسرائيليون بأنهم يخشونه أكثر مما يخشون غيره من القادة العسكريين العرب.
وأذكر أن آخر سؤال وجهته للمشير الجمسي في لقائنا الوحيد، كان عن القرار الذي ندم عليه في حياته، فصمت للحظات وقال بأسي: "اشتراكي في التفاوض مع اليهود".

آخر وزير حربية
بعد الحرب مباشرة رُقي الفريق الجمسي إلى رتبة الفريق أول مع توليه منصب وزير الحربية عام 1974 وقائد عام للجبهات العربية الثلاث عام 1975، وواصل أثناء توليه للوزارة استكمال تدريبات الجيش المصري؛ استعدادا للمعركة التي ظل طوال حياته يؤمن بها، وكان قرار السادات بألا يخرج كبار قادة حرب أكتوبر من الخدمة العسكرية طيلة حياتهم تكريما لهم، إلا أن السياسة أفسدت هذا التكريم؛ فقد تزايدت مساحة الخلاف بين الجمسي والسادات بعد مبادرة الأخير بالذهاب إلى إسرائيل عام 1977.
وتطورت الأحداث بما أدى لخروج الجمسي من وزارة الحربية عام 1978، واختلف الناس حول أسباب هذا الإبعاد، ولكن ظل السبب الأرجح هو رفض الجمسي نزول الجيش إلى شوارع مصر لقمع مظاهرات 18 و19 يناير 1977 الشهيرة، فأسرّها السادات له، وكان قرار قبوله التقاعد بناء على طلب الجمسي، وتغير اسم وزارة الحربية إلى وزارة الدفاع. إلا أنه رقي عام 1979 إلى رتبة المشير، وحين خرج للحياة المدنية كان أول قرار له هو رفض العمل بالسياسة، وظل محافظا على ذلك، وكان دائما ما يردد: إن الرجل العسكري لا يصلح للعمل السياسي، وإن سبب هزيمتنا عام 1967 كان بسبب اشتغال وانشغال رجال الجيش بالألاعيب في ميدان السياسة؛ فلم يجدوا ما يقدمونه في ميدان المعركة.

النحيف المخيف
خرج المشير الجمسي من الحياة العسكرية، لكنه ظل محتفظا بنفس التقاليد الصارمة من الالتزام والانضباط والتزام الصمت بعيدا عن الأضواء، وحين بدأت موجة الكتابة عن حرب أكتوبر تنتشر في مختلف أنحاء العالم، كانت المعلومات تتكشف تدريجيا عن دور الرجل في الحرب، وتعددت معها الألقاب التي أطلقت عليه؛ فجرت المقارنة بينه وبين الجنرال الألماني الأشهر روميل؛ فسمي "ثعلب الصحراء المصري"؛ نظرا لبراعته في قيادة معارك الصحراء، ولُقب بأستاذ المدرعات التي احترف القتال في سلاحها منذ تخرجه في الكلية الحربية.. أما أحب الألقاب إلى قلبه فكان لقب "مهندس حرب أكتوبر"؛ نظرا لاعتزازه بالحدث وفخره به.
إلا أن أغرب الألقاب التي أُطلقت على المشير الجمسي؛ فكان ذلك الذي أطلقته عليه جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل إبان حرب أكتوبر، حين وصفته بـ"الجنرال النحيف المخيف".

وداع صامت
وفي صمت رحل المشير الجمسي بعد معاناة مع المرض؛ العدو الوحيد الذي لم يستطع قهره، فرفع له الرايات البيضاء؛ استجابة لنداء القدر، وصعدت روحه إلى ربه في 7-6-2003 عن عمر يناهز 82 عاما، عاش خلالها حياة حافلة بالانتصارات، وبينما كنت أتابع جملة النياشين والأوسمة التي تجاوز عددها 24 وساما من مختلف أنحاء العالم في الجنازة المهيبة التي حضرها كبار رموز الدولة والعسكرية المصرية تكريما ووفاء لذكرى الرجل.. تذكرت كلماته الأخيرة: "انتصار أكتوبر هو أهم وسام على صدري، وليتني أحيا لأقاتل في المعركة القادمة"!
* صحفي مصري

الجنرال الثائر سعد الدين الشاذلي.. بطل العاشر من رمضان






خالد أبو بكر اسلام أون لاين




الفريق سعد الدين الشاذلي.. اسم من ذهب في تاريخ العسكرية العربية.. رجل السباحة ضد التيار باقتدار.. تعوّد أن يقول كلمته ويمضي من دون اعتبار للعواقب والمآلات.. ففي الوقت الذي كانت فيه الخدمة في "الحرس الملكي" المصري في أربعينيات القرن الماضي قمة الأحلام وسدرة المنتهى لضباط الجيش، تركها مفضلاً الحياة في التشكيلات المرابطة في الصحاري المصرية، حيث حياة الصبر والجلد.
وفي الوقت الذي كانت تسارع فيه القوات المصرية بالانسحاب في اتجاه الشط الغربي لقناة السويس في حرب يونيو 1967، كان الشاذلي قد اتجه شرقًا هو ورجاله واحتل موقعًا في صحراء النقب الفلسطينية.
وفي الوقت الذي كانت فيه الغالبية تخطب ودّ الرئيس السادات عارضه في غرفة العمليات حول تصفية ثغرة "الدفرسوار" في حرب أكتوبر 1973، حيث كان رئيسًا لأركان حرب القوات المسلحة المصرية بوازع من ضميره وشرفه العسكري.
طوال رحلته الطويلة في السباحة ضد التيار فات الشاذلي أن الودعاء الطيبين هم الذين يرثون الأرض في نهاية المدى؛ لأنهم لا يبعدون.. لا يهمشون.. ولا يسجنون كما حدث معه شخصيًّا، وهو مهندس عملية عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف الذي لا يزال يدرس في كبريات الأكاديميات العسكرية العالمية إلى اليوم كمعجزة عسكرية بكل المقاييس.
مولد الفريق الشاذلي كان في قرية "شبرتنا" مركز "بسيون" في محافظة الغربية عام 1922، كان والده من الأعيان، كما أن عائلته عائلة عسكرية بامتياز، حيث مات جده وهو يقاتل في حروب الخديوي إسماعيل (1878) في السودان، وشارك أفراد من عائلته في الثورة العرابية وثورة 1919، وانقطعت صلة العائلة بالحياة العسكرية بعد انكسار الثورة العرابية والاحتلال البريطاني لمصر عام 1882؛ لتعود الصلة بالتحاق الشاذلي بالكلية الحربية عام 1939.
تخرج الشاذلي في الكلية الحربية في يوليو 1940 ضابطًا برتبة ملازم في سلاح المشاة، منذ بداية حياته العسكرية اكتسب الشاذلي سمعة طيبة في الجيش؛ ففي عام 1941 قررت القيادة المصرية البريطانية المشتركة (في الحرب العالمية الثانية) الانسحاب من مرسى مطروح (شمال غرب مصر) شكلت مجموعة مؤخرة مهمتها تدمير المعدات والمخزونات التي اضطرت القوات المصرية لتركها عند انسحابها من المنطقة، وكان الملازم سعد الشاذلي ضمن هذه المجموعة، وأدى دورًا رائعًا.
في العام عام 1943 تم انتداب الشاذلي للخدمة في "الحرس المالكي" الذي كان حلم كل الضباط آنذاك بالنظر إلى بعده عن الصحراء، وتمتع من يخدم فيه بامتيازات خاصة، إلا أن الشاذلي بعد فترة وجيزة من الخدمة فيه طلب الانتقال للخدمة في التشكيلات التعبوية، المرابطة في الصحاري المصرية.
ومع حلول العام 1954 ترأس الشاذلي أول كتيبة لقوات المظلات في الجيش المصري، وفي عام 1960 ترأس القوات العربية المتحدة في "الكونغو" ضمن قوات الأمم المتحدة، ثم عُيّن ملحقًا عسكريًّا في السفارة المصرية بالعاصمة البريطانية لندن (1961 - 1963)؛ وهو ما مكّنه من الاحتكاك بالعقيدة القتالية الغربية، بالإضافة إلى تكوينه وفق العقيدة القتالية الشرقية التي كانت تعتمدها مصر في تنظيم قواتها، وأساليب قتالها آنذاك.
الاحتلال في النقب

الشاذلي في ميدان التدريب
على الرغم من المرارة التي تجرعتها العسكرية المصرية والعربية في حرب يونيو 1967، فإن الشاذلي أظهر تميزًا نادرًا وقدرة كبيرة على القيادة والسيطرة والمناورة بقواته؛ فقبل بدء المعركة شكّل الجيش المصري مجموعة من القوات الخاصة (الكوماندوز) لحراسة منطقة وسط سيناء (بين المحور الأوسط والمحور الجنوبي) أسندت قيادتها للشاذلي، وعرفت فيما بعد في التاريخ العسكري المصري باسم "مجموعة الشاذلي".
مع بدء المعركة صبيحة 5 يونيو بضرب سلاح الجو المصري، واتخاذ القيادة العامة المصرية قرارها بالانسحاب، فقد الشاذلي الاتصال مع قيادة الجيش في سيناء، وهنا اتخذ القرار الأصعب بعد أن شاهد الطيران الإسرائيلي يسيطر تمامًا على سماء سيناء، فقام بعملية من أروع عمليات المناورة في التاريخ العسكري العربي، حيث عبر بقواته شرقًا وتخطى الحدود الدولية قبل غروب يوم 5 يونيو، وتمركز بقواته داخل صحراء النقب الفلسطينية، وعندها ظنه الطيران الإسرائيلي وحدة تابعة له فلم يهاجمه على الإطلاق.
وبقي الشاذلي في النقب يومين إلى أن تمكن من تحقيق اتصال بالقيادة العامة بالقاهرة التي أصدرت إليه الأوامر بالانسحاب فورًا.
فاستجاب لتلك الأوامر وقام بعملية انسحاب في ظروف غاية في الصعوبة على أي قائد في مثل ظروفه، ورغم هذه الظروف لم ينفرط عقد قواته، كما حدث مع وحدات أخرى، لكنه ظل مسيطرًا عليها بمنتهى الكفاءة، واستطاع بحرفية نادرة أن يقطع أراضي سيناء كاملة من الشرق إلى الشط الغربي لقناة السويس (حوالي 200 كم) في عملية انسحاب لا تقل عظمة عن انسحاب القائد الألماني فيلد مارشال "روميل" في الحرب العالمية الثانية، باعتبار أن الشاذلي كان يسير في أرض يسيطر العدو تمامًا عليها، ومن دون أي دعم جوي، وبالحدود الدنيا من المؤن، إلى أن وصل قبل غروب يوم 8 يونيو بكامل قواته ومعداته غرب القناة.
بعد عودة الشاذلي إلى غرب القناة اكتسب سمعة كبيرة في صفوف الجيش المصري كله، فتم تعيينه قائدًا للقوات الخاصة (الصاعقة والمظلات) في الفترة (1967 - 1969)، ثم قائدًا لمنطقة البحر الأحمر العسكرية (1970 - 1971).
المآذن العالية

الشاذلي والسادات
في 16 مايو 1971، أي بعد يوم من إطاحة السادات بأقطاب النظام الناصري، فيما سماه بـ"ثورة التصحيح" عين الشاذلي رئيسًا للأركان بالقوات المسلحة المصرية، باعتبار أنه لم يكن يدين بالولاء إلا لشرف الجندية، فلم يكن محسوبًا على أي من المتصارعين على الساحة السياسية المصرية آنذاك.
بمجرد وصول الشاذلي لمنصب رئيس الأركان دخل في خلافات مع الفريق صادق وزير الحربية حول خطة العمليات الخاصة بتحرير سيناء، حيث كان الفريق صادق يرى أن الجيش المصري يتعين عليه ألا يقوم بأي عملية هجومية إلا إذا وصل إلى مرحلة تفوّق على العدو في المعدات والكفاءة القتالية لجنوده، عندها فقط يمكنه القيام بعملية كاسحة يحرر بها سيناء كلها.
عندما تولّى سعد الدين الشاذلي رئاسة الأركان وجد أن هذا الكلام لا يتماشى مع الإمكانيات الفعلية للجيش؛ ولذلك طالب أن يقوم بعملية هجومية في حدود إمكانياته، تقضي باسترداد من 10 إلى 12 كم في عمق سيناء.
وبنى الشاذلي رأيه ذلك على أنه من المهم أن تفصّل الإستراتيجية الحربية على إمكانياتك وطبقًا لإمكانيات العدو.. وسأل الشاذلي الفريق صادق: هل لديك القوات التي تستطيع أن تنفذ بها خطتك؟ فقال له: لا.. فقال له الشاذلي: على أي أساس إذن نضع خطة وليست لدينا الإمكانيات اللازمة لتنفيذها؟.
يقول الشاذلي في مذكراته عن الخطة التي وضعها للهجوم على إسرائيل واقتحام قناة السويس التي سماها "المآذن العالية" إن "ضعف الدفاع الجوي يمنعنا من أن نقوم بعملية هجومية كبيرة.. ولكن من قال إننا نريد أن نقوم بعملية هجومية كبيرة.. ففي استطاعتنا أن نقوم بعملية محدودة، بحيث نعبر القناة وندمر خط بارليف ونحتل من 10 إلى 12 كيلومترا شرق القناة".
وكانت فلسفة هذه الخطة تقوم على أن لإسرائيل مقتلين.. الأول هو عدم قدرتها على تحمل الخسائر البشرية نظرًا لقلة عدد أفرادها، والمقتل الثاني هو إطالة مدة الحرب.. فهي في كل الحروب السابقة كانت تعتمد على الحروب الخاطفة التي تنتهي خلال أربعة أسابيع أو ستة أسابيع على الأكثر؛ لأنها خلال هذه الفترة تقوم بتعبئة 18% من الشعب الإسرائيلي وهذه نسبة عالية جدًّا.
ثم إن الحالة الاقتصادية تتوقف تمامًا في إسرائيل والتعليم يتوقف والزراعة تتوقف والصناعة كذلك؛ لأن معظم الذين يعملون في هذه المؤسسات في النهاية ضباط وعساكر في القوات المسلحة؛ ولذلك كانت خطة الشاذلي تقوم على استغلال هاتين النقطتين.
الخطة كان لها بعدان آخران على صعيد حرمان إسرائيل من أهم مزاياها القتالية يقول عنهما الشاذلي: "عندما أعبر القناة وأحتل مسافة بعمق 10: 12 كم شرق القناة بطول الجبهة (حوالي 170 كم) سأحرم العدو من أهم ميزتين له؛ فالميزة الأولى تكمن في حرمانه من الهجوم من الأجناب؛ لأن أجناب الجيش المصري ستكون مرتكزة على البحر المتوسط في الشمال، وعلى خليج السويس في الجنوب، ولن يستطيع الهجوم من المؤخرة التي ستكون قناة السويس، فسيضطر إلى الهجوم بالمواجهة وعندها سيدفع الثمن فادحًا".
وعن الميزة الثانية قال الشاذلي: "يتمتع العدو بميزة مهمة في المعارك التصادمية، وهي الدعم الجوي السريع للعناصر المدرعة التابعة له، حيث تتيح العقيدة القتالية الغربية التي تعمل إسرائيل بمقتضاها للمستويات الصغرى من القادة بالاستعانة بالدعم الجوي، وهو ما سيفقده لأني سأكون في حماية الدفاع الجوي المصري، ومن هنا تتم عملية تحييد الطيران الإسرائيلي من المعركة.
حرب أكتوبر 1973
في أكتوبر 1971 أقال السادات الفريق صادق من وزارة الحربية، وعيّن مكانه المشير أحمد إسماعيل، لاختلافه (السادات) مع رؤية صادق لتحرير الأرض، واقتناعه برؤية الشاذلي، إلا أنه لم يأتِ بالأخير وزيرًا للحربية للكاريزما الكبيرة التي يتمتع بها الشاذلي، فأتى السادات بأحمد إسماعيل الذي كان قد أحيل للتقاعد في أواخر أيام عبد الناصر، وبالتالي سيدين للولاء للسادات الذي أعاده للجيش مرة أخرى كقائد عام ووزيرًا للحربية بعد أن "لبس الجلبية" والاستفادة بالشاذلي العنيد، ولكن كرجل ثان، ليست في يده صلاحيات القائد العام، وهذا ستظهر آثاره جلية فيما بعد.
جاء 6 أكتوبر 1973 وشن الجيشان المصري والسوري هجومًا كاسحًا على إسرائيل، بطول الجبهتين، ونفذ الجيش المصري خطة "المآذن العالية" التي وضعها الشاذلي بنجاح غير متوقع، لدرجة أن الشاذلي يقول في كتابه "حرب أكتوبر": "في أول 24 ساعة قتال لم يصدر من القيادة العامة أي أمر لأي وحدة فرعية.. قواتنا كانت تؤدي مهامها بمنتهى الكفاءة والسهولة واليسر كأنها تؤدي طابور تدريب تكتيكي".
تطوير الهجوم شرقًا
نتيجة للموقف السيئ الذي تعرضت له القوات السورية في اليوم السادس للقتال، أرسلت القيادة العسكرية السورية مندوبًا عن العماد مصطفى طلاس وزير الدفاع السوري، للقيادة الموحدة للجبهتين بقيادة المشير أحمد إسماعيل تطلب زيادة الضغط على القوات الإسرائيلية على جبهة قناة السويس لتخفيف الضغط على جبهة الجولان، فطلب السادات من إسماعيل تطوير الهجوم شرقًا لتخفيف الضغط على سوريا، فأصدر إسماعيل أوامره بذلك على أن يتم التطوير صباح 12 أكتوبر، وهو ما عارضه الشاذلي بشدة، معتبرًا أن أي تطوير خارج نطاق الـ12 كيلو التي تقف القوات فيها بحماية مظلة الدفاع الجوي، معناه أننا نقدم قواتنا هدية للطيران الإسرائيلي.
وبناء على أوامر تطوير الهجوم شرقًا هاجمت القوات المصرية في قطاع الجيش الثالث الميداني (في اتجاه السويس) بعدد 2 لواء، هما اللواء الحادي عشر (مشاة ميكانيكي) في اتجاه ممر الجدي، واللواء الثالث المدرع في اتجاه ممر "متلا"(1).
وفي قطاع الجيش الثاني الميداني (اتجاه الإسماعيلية) هاجمت الفرقة 21 المدرعة في اتجاه منطقة "الطاسة"، وعلى المحور الشمالي لسيناء هاجم اللواء 15 مدرع في اتجاه "رمانة".
وكان الهجوم غير موفق بالمرة كما توقع الشاذلي، وانتهى بفشل التطوير، مع اختلاف رئيسي، هو أن خسرت القوات المصرية 250 دبابة من قوتها الضاربة الرئيسية في ساعات معدودات من بدء التطوير للتفوق الجوي الإسرائيلي.
وبنهاية التطوير الفاشل أصبحت المبادأة في جانب القوات الإسرائيلية التي استعدت لتنفيذ خطتها المعدة من قبل والمعروفة باسم "الغزالة" للعبور غرب القناة، وحصار القوات المصرية الموجودة شرقها.
ثغرة الدفرسوار

الموقف في منطقة الدفرسوار مساء 22 أكتوبراللون الأحمر يشير للقوات المصرية والزرقاء تشير للإسرائيلية
المعارك الحربية مثل "لعبة الشطرنج" فحركة واحدة بالخطأ كفيلة لأن يترتب عليها تدهور سريع في الدور كله، هذا ما حدث مع القوات المصرية بعد تطوير الهجوم شرقًا بدوافع قومية؛ فبعد الخسائر الكبيرة في القوات المدرعة المصرية، نجح إريل شارون قائد إحدى الفرق المدرعة الإسرائيلية بالعبور إلى غرب القناة من ثغرة بين الجيشين الثاني والثالث، عند منطقة الدفرسوار القريبة من البحيرات المرّة بقوة محدودة ليلة 16 أكتوبر، وصلت إلى 6 ألوية مدرعة، و3 ألوية مشاة مع يوم 22 من نفس الشهر.
واحتل شارون المنطقة ما بين مدينتي الإسماعيلية والسويس، ولم يتمكن من احتلال أي منهما وكبدته القوات المصرية والمقاومة الشعبية خسائر ربما أكثر فداحة من التي تكبدها شرق القناة.
في هذا التوقيت بالذات حدث الخلاف الأشهر بين السادات وأحمد إسماعيل من جهة وبين الشاذلي من جهة أخرى حول تصفية الثغرة -وهو موضوع يطول شرحه- فكان رأي الشاذلي أن يتم سحب عدد 4 لواءات مدرعة مصرية من الشرق إلى الغرب؛ ليزيد من الخناق على القوات الإسرائيلية الموجودة في الغرب، والقضاء عليها نهائيًّا، وهذا يعتبر -من وجهة نظر الشاذلي- تطبيق لمبدأ من مبادئ الحرب الحديثة، وهو "المناورة بالقوات"، علمًا بأن سحب هذه الألوية لن يؤثر مطلقًا على أوضاع الفرق المشاة الخمس المتمركزة في الشرق.
لكن السادات وأحمد إسماعيل اللذين بينهما مع الشاذلي خلافات قديمة رفضا هذا الأمر، بدعوى أن الجنود المصريين لديهم عقدة نفسية من عملية الانسحاب للغرب منذ هزيمة 1967، وبالتالي رفضا سحب أي قوات من الشرق للغرب، وهنا وصلت الأمور بينهما وبين الشاذلي إلى مرحلة الطلاق، وبدأ السادات يدخل في مفاوضات فض الاشتباك الأول والثاني مع إسرائيل.
من المنفى إلى السجن
السادات عاشق الأضواء والكاميرات في السياسة المصرية بلا منازع، فبعد انتهاء الحرب، وعبور الجيش المصري لشرق القناة، أراد ألا يشاركه أحد في الفرح، أو يزاحمه أمام الكاميرات، فقام بعزل الشاذلي من منصبة في 12 ديسمبر 1973، وعينه سفيرًا لمصر في إنجلترا، ثم سفيرًا في البرتغال. ورغم أن هدف السادات من تعيين الشاذلي سفيرًا في لندن هو إبعاده عن مصر، فإن صراعه (الشاذلي) مع اللوبي الصهيوني في لندن زاده شهرة، حيث اتهمه هذا اللوبي بقتل الأسرى الإسرائيليين في الحرب.
وفي عام 1978، عارض الشاذلي اتفاقية "كامب ديفيد" ووجّه لها انتقادات حادة؛ وهو ما أدى إلى فصله من منصبه، فعاش في المنفى لعدة سنوات.
في سنوات المنفى (بالجزائر) نشر الشاذلي كتابه (حرب أكتوبر)، وكانت عواقب هذا النشر عالية التكلفة، حيث أحيل غيابيًّا لمحكمة عسكرية وصدر ضده حكم بالسجن ثلاث سنوات، ووضع أملاكه تحت الحراسة.
وجهت للشاذلي تهمتان الأولى هي نشر كتاب بدون موافقة مسبقة عليه، واعترف الشاذلي بارتكابها. أما التهمة الثانية فهي إفشاء أسرار عسكرية في كتابه، وأنكر الشاذلي صحة هذه التهمة الأخيرة بشدة، بدعوى أن تلك الأسرار المزعومة كانت أسرارًا حكومية وليست أسرارًا عسكرية.وفي عام 1992، عاد الشاذلي إلى مصر بعد 14 سنة قضاها في الخارج، وتم القبض عليه بالمطار لدى عودته، وقضى الشاذلي بقية مدة عقوبته في السجن، وخرج بعدها ليعيش بعيدًا عن أي ظهور رسمي.

قائد استطلاع الفرقة 19: العدو خدعنا في 67 فخدعناه بقوة في 73





08/10/2007
حوار اخوان اون لاين


اللواء عادل زكريا:
- اليهود كانوا يلعبون الكرة عندما اتخذنا قرار الحرب!
- الصهاينة هربوا من النقاط الحصينة وتهربوا من التجنيد في خط القناة
- اكتشفنا خطة العدو مبكرًا وعلمنا أنه سيستخدم النابالم
- السادات غيَّر اسم جبل المر إلى "الفاتح" بعد عملية ناجحة لقواتنا

حوار- عبد المعز محمد
عقب هزيمة يوينو 1967 توجَّهت أصابع الاتهام لجهاز الاستطلاع بالقوات المسلحة، وحمَّله البعض مسئولية الهزيمة؛ لأنه لم يقدم المعلومات الوافية التي كانت كفيلةً ليس بانتصارنا ولكن بعدم هزيمتنا على الأقل بهذا الشكل، إلا أن الأمر اختلف تمامًا بعد النكسة، وبدأ الاستطلاع المصري يوجه الضربات الواحدة تلو الأخرى في فترة الاستنزاف، وكانت الضربة الكبرى في الساعة الثانية وخمس دقائق ظهر يوم السبت السادس من أكتوبر 1973م العاشر من رمضان 1393هـ.

ولأهمية الدور الذي قام به جهاز الاستطلاع التقى (إخوان أون لاين) مع اللواء أركان حرب عادل زكريا قائد استطلاع الفرقة 19 أثناء حرب أكتوبر ثم قائد استطلاع الجيش الثالث، وأستاذ كرسي الاستطلاع بأكاديمية ناصر العسكرية، وكان هذا الحوار:
* حمَّل كثيرٌ من المحللين جهازَ الاستطلاع مسئولية نكسة 67 لعدم تقديمه المعلومات الكاملة عن العدو للقيادة، فما صحة ذلك؟!
** لم يكن الاستطلاع ضعيفًا في يوم من الأيام؛ لأن مهمة الاستطلاع الأساسية هي الحصول على المعلومات، وفي 67 وعلى مستوى العمليات الحربية كان الاستطلاع كاملاً ومتكاملاً، ولكن أوضاع القوات المسلحة لم تكن جاهزةً للمعركة، فهناك نسبة كبيرة من جيشنا كانت باليمن ولم يكن بسيناء سوى نسبة ضئيلة.

وأعتقد أن هذا هو الذي أثَّر في نتيجة المعركة، في الوقت الذي كان العدو يستعد لهذه الحرب بعد 56 مباشرةً، وخرج بنتيجة مهمة، وهي أن القوات الجوية هي التي تحسم أيَّ معركة، ولذلك استخدم العدو كل قوته الجوية في ضرب قواتنا.

* هل معنى ذلك أن قرار الحرب كان خطأً؟!
** لا يمكن أن نقول ذلك؛ لأننا لم نبدأ بالهجوم، واليهود قاموا بعملية خداع، وأشاعوا أن الحشد على الجانب السوري، إلا أنه كان على الجانب المصري.

عمليات الخداع
* هذا يجعلنا نؤكد ضعف دور الاستطلاع؟!
** على المستوى الإستراتيجي قام الاستطلاع بدوره ولكن كما قلت فإن القوات المسلحة لم تكن بقوة المعركة، إضافً إلى أن عمليات الخداع التي تمَّت كانت أكبر من مستوى "إسرائيل"، بل ومن مستوى مصر؛ لأنها كانت عملية خداع دولي غربي وأمريكي و"إسرائيلي" مشترك بدأت قبل 67 بفترة، وتحديدًا عندما جذبونا لحرب اليمن، وزرعوا الفتنة بين مصر والسعودية، وبدأ الأمر بدخول سرية من قواتنا المسلحة لليمن، وانتهى بأن كان الجيش كله هناك، وقيامه بعمليات كبيرة كنا في غنى عنها، إضافةً إلى المصروفات الهائلة التي أُنفقت على هذه المعارك.

* وهل اختلف الأمر بعد نكسة يونيو؟!
** أريد أن أوضح أن مسألة الحصول على المعلومات قبل النكسة لم تكن من خلال جهاز مستقلّ، وهو الاستطلاع، بل كانت ضمن أعمال المخابرات الحربية والعامة، وهو الأمر الذي دفع القيادة العامة لتشكيل جهاز الاستطلاع بعد النكسة مباشرةً على أن يكون تابعًا للمخابرات الحربية، وأصبح هناك تخصصٌ ملحوظٌ للاستطلاع، وتنوعت اختصاصاته ما بين تكتيكي وتعبوي وإستراتيجي، وله مهمة محدودة، وهي الحصول على المعلومات في أرض المعركة ومسرح العلميات، إضافةً إلى أي معلومات إستراتيجية خاصة بالأسلحة والعمليات؛ مما يعني أن الاستطلاع كان مختصًّا بالنواحي العسكرية الصرفة.

دور الاستطلاع
* متى بدأ تحديدًا عمل جهاز الاستطلاع؟!
** بداية حرب الاستنزاف كانت إعلانًا لبداية جهاز الاستطلاع بالقوات المسلحة المصرية، وقد تم اختياري وقتها رئيسًا لاستطلاع الفرقة 19 بالجيش الثالث الميداني، وبدأ عمل استطلاع الفرقة في الحصول على المعلومات الخاصة بإنشاء النقاط القوية للعدو على طول خط القناة وقوات العدو بجميع تخصصاتها البرية والجوية والبحرية، وكانت مهمتنا هي رصد التحركات وتصوير هذه النقاط والحصول على أسرى، وبالفعل استطعنا في فترة وجيزة معرفة جميع النقاط القوية التي كانت على طول خط القناة، وتحديد أعمال قتال للنقاط القوية والاحتياطات القريبة والبعيدة، والأسلوب المتوقع لإدارة العدو لعملياته بشرق القناة، وبالفعل نجحنا في تنفيذ ذلك.

وكان للمعلومات التي حصلنا عليها دورٌ بارزٌ في خطة العبور، وكان للعمليات التي قُمنا بها تأثير واضح في ضعف الروح المعنوية للعدو، ويكفي أن الجندي الصهيوني كان يندب حظَّه إذا كانت خدمته على خط قناة السويس.

* كيف كان لهذا الدور أهميته؟
** كنت في طريقي للمرور على بعض بعض نقاط الملاحظة على الضفة الغربية بالتعاون مع اللاسلكي فوجدت تدريبًا لقوات العدو بدأ بتمثيل مجموعة منهم عبورنا القناة، ثم إطلاق النيران على قواتنا، ثم قيام القوات الجوية بضرب قواتنا، وتحرك الاحتياط لتنفيذ العمليات المضادة، أي أننا شاهدناهم يطبقون خطةً دفاعيةً كاملةً كانوا سيستخدمونها لو عبرت قواتنا القناة.

ومن متابعتي للتدريب عرفت أنهم سيركِّزون على القوات الجوية بالتنسيق مع الاحتياطي، فأخبرت على الفور القيادة بما رأيته، وأوضحت لهم الخطة كاملةً، وما هي نقاط القوة والضعف فيها، ثم بدأت القيادة في الاستفادة من هذه المعلومات وكيفية التغلب عليها، وهو ما قمنا به في 73؛ حيث عزلنا قوات العدو الجوية عن نقاطه الجوية بقناة السويس، بفضل حائط الصواريخ الذي تم إنشاؤه على جبهتنا، والذي أعطانا فرصةً قويةً لتدمير نقاط العدو القوية على طول خط القناة، وأصبحت هذه النقاط ما بين أسير وقتيل، بل إن بعضهم هرب من هذه النقاط تاركًا وراءه كل أسلحته ومعداته.

* ممَّ كانت تتكون هذه النقاط القوية؟
** كانت عبارة عن نقاط محصَّنة من رمال وخرسانة ومتاريس، وفيها ما بين 10 جنود إلى 100 جندي بكامل أسلحتهم، وفي كثير من الأوقات كان معهم أسلحة الهاون وقاذفات الطائرات المحمولة على الأعناق.

ساعة الصفر
* لقد كانت ساعة الصفر يوم 6 أكتوبر مفاجأةً للعدو، فكيف أعددتم لها؟!
** العبور كان مفاجأة إستراتيجيةً وعسكريةً في وقت واحد، فمن الناحية الإستراتيجية أعلن الرئيس السادات أننا لسنا جاهزين للحرب، وأعلنا عن قصور في القمح، وأن الحالة المادية سيئة؛ مما أعطى انطباعًا عالميًّا بأن الحرب مستحيلة من جانبنا.

أما من الناحية العسكرية فقبل الحرب مباشرةً بدأت القوات المصرية تُجري تدريباتٍ لعبور قناة السويس، فعبَّأ العدو قواته واحتياطه، ثم أنهينا التدريبات، ففكَّ العدو تعبئته، فقمنا بنفس التدريبات مرةً أخرى، فعبَّأ العدو قواته مرةً ثانيةً، ثم سحبنا قواتنا ففكَّ العدو تعبئته، ثم قُمنا بالتدريبات للمرة الثالثة إلا أن العدو لم يهتم بها واعتبرها تدريباتٍ عاديةً لأنه كان في كل مرة يتحمَّل تكلفةً باهظةً؛ لأن قواته هي ذاتها القوة البشرية التي تعمل في مصانعه ومزارعه.

كما قمنا قبل ذلك بتسريح الجنود وفكّ الرديف؛ مما جعل الجميع في حالة يقين بأننا لن نخوض الحرب، حتى إن بعض القادة المصريين كان عنده نفس الاعتقاد؛ ولذلك فنحن عبرنا القناة واليهود يلعبون الكرة، ولم يستطيعوا استخدام المواد الحارقة الموجودة في الأنابيب التي لغَّموا بها قناة السويس؛ مما يؤكد نجاح الخداع العسكري الذي قامت به قواتنا، وكانت صدمة العدو أن تبدأ المعركة بهذه القوة، وأن تستولي قواتنا على بعض النقاط القوية في ساعات محدودة؛ مما أعطى دفعةً معنويةً لنا وهبوطًا لأعدائنا، خاصةً بعد أن وقفت قواتهم الجوية عاجزةً عن القيام بأي ردٍّ؛ لأننا جهَّزنا "دشم" الدفاع الجوي مرةً واحدةً ودون أن يشعروا..أضف إلى ذلك أن العدو لم يكن لديه أي احتمالات للهزيمة، وسأضرب لك مثالاً؛ حيث كانت قوات العدو في عيون موسى تصب علينا نيرانها المكثفة كل يوم قبل العبور، وكانت تضرب مصانع ومعامل تكرير البترول بالسويس، وعندما عبرنا هربت هذه القوات إلى العريش، تاركةً وراءها أسلحتها ومعداتها، وقد اكتشف هروبها دوريةُ استطلاع بقيادة ملازم أول، ولك أن تتخيل كم كانت ستكلِّفنا هذه النقاط من الذخيرة والقوات لكي نقتحمها ونحررها من العدو.

خط بارليف
* كان للاستطلاع دورٌ بارزٌ في اكتشاف خط بارليف والتعامل معه فكيف كان هذا الأمر؟

عبور القوات المصرية لقناة السويس** في صباح أحد الأيام كنت أمرُّ على النقاط القوية لأراقب حركة العدو، فأخبرني أحد الأفراد باللاسلكي أن اليهود كانوا في مياه القناة طوال الليل، وكانوا يقومون بشيء ما فتتبعت حركتهم، ووجدت أن هناط خطًّا مرسومًا من نقطة قوية بشرق القناة إلى قناة السويس، ووجدت حفرًا وردمًا، وأن هناك ماسورةً في المياه فذهبت على الفور لرئيس أركان الفرقة، وهو اللواء عاطف عبد الجبار، فقال لي طالما أن هناك ماسورةً في المياه فلا بد أنها إما تسحب شيئًا أو تضخ شيئًا، وبلغنا هذا التحرك على الفور لإدارة المخابرات، ولم يأت العصر حتى فوجئنا بهم يجرِّبون النابالم في مياه القناة، ورموا قنبلة فسفورية بالقناة فاشتعلت فاكتشفنا أنهم يجرِّبون إنشاء خط بارليف، وأنهم سوف يستخدمون النابالم إذا عبرنا القناة، وشاء الله أن تكون المياه قويةً وقت تجربتهم؛ لأن النيران رُدَّت إلى الشاطئ مرةً أخرى، ولم يحدث انتشار للنيران فانكشف مخططهم وبدأنا نضع في خطتنا استخدام العدو للنابالم وقت العبور، وأحمد الله أنني اكتشفت هذا التخطيط الصهيوني.

أسرار الثغرة
* إذا كان الاستطلاع قد نجح في فترة الاستنزاف وفي الاستعداد لحرب أكتوبر فلماذا فشل في كشف الثغرة؟
** عندما حدثت الثغرة كنت وقتها في مركز القيادة، وقد حصلنا على مخططات تؤكد عبور العدو في وسط الجيش الثاني، إلا أن هذه المعلومات قوبلت باستهزاء من بعض المسئولين؛ بحجة استحالة حدوثها، ثم جاءتنا ونحن في مركز القيادة إشارة من اللاسلكي بأن دبابتين برمائيتين تعبران القناة عن طريق البحيرات وأعطوا تمامًا لقيادتهم ثم بدأت تحركات أخرى للعدو، وقامت بإنشاء رأس كوبري على شاطئ القناة، فأرسلنا إليهم فصيلة لتردهم، ثم سارية، ثم كتيبة، وحدثت اشتباكات، إلا أن المعركة لم تحسم لعدة أمور: أهمها عدم وجود قوات احتياطية في غرب القناة، بعد أن أرسلها الرئيس السادات للمعركة وبناءً على استغاثة الجانب السوري، وقد كانت هذه الخطة موضع الخلاف بين الرئيس السادات والفريق سعد الدين الشاذلي، الذي رأى في عبور الاحتياطي للقناة خطرًا على الجبهة المصرية، وهو بالفعل ما استغله العدو للقيام بثغرة يستطيع من خلالها تدمير خط الدفاع الجوي!!