كما يراه مفكرون وخبراء برنامج حزب الإخوان .. إيجابيات وسلبيات



اسلا اون لاين إعداد - محمد بهاء

د. ضياء رشوان
انتقد عدد من الخبراء والمفكرين المصريين
برنامج حزب الإخوان المسلمين المزمع الإعلان عنه – والذي انفردت إسلام أون لاين بنشر النسخة شبه النهائية له – واعتبره هؤلاء ردة إلى الوراء، وقفزا علي آليات الديمقراطية المتعارف عليها، كما وصفه البعض بالصدمة والبدعة.مفكرون وخبراء آخرون نظروا للبرنامج نظرة أخرى، حيث قرروا أنه كما يحوي بعض السلبيات إلا أنه لا يخلو من إيجابيات.انصبت معظم الانتقادات التي وجهها هؤلاء المفكرون والخبراء على عدة نقاط في البرنامج، أهمها: اقتراح الإخوان بإنشاء مجلس أعلى للفقهاء تكون له صلاحيات رقابية واسعة، واستبعاد غالبية الشعب المصري من الترشح لمنصب رئيس الجمهورية، استنادا لآراء فقهية مردود عليها.
الدكتور ضياء رشوان - مدير تقرير الحالة الدينية والباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية – قال: "إن برنامج حزب الإخوان خرج بالشكل الذي مثل لنا جميعا صدمة، فلم يكن هذا البرنامج هو المأمول من جماعة بحجم الإخوان المسلمين".
واعتبر رشوان البرنامج انتصارا للخط الدعوي داخل الجماعة على الخط السياسي، مما يؤكد أن هذه الجماعة التي خرج منها الحزب هي جماعة أقرب للطبيعة الدينية منها للطبيعة السياسية.
بدعة البرنامج
كذلك وصف رشوان ما ورد في برنامج حزب الإخوان بـ "البدعة"، معللاً ذلك بورود نماذج وأشكال غريبة من الحكم ليس لها علاقة بالإسلام من قريب أو بعيد. وضرب مثالاً لذلك بـ "المجلس الأعلى للفقهاء"، والذي اقترح الإخوان في برنامجهم إنشاءه لمراقبة القوانين، وقال رشوان: "هذا المجلس بدعة مختلقة، لم ترد في الحكم أيام النبي ولا بعده، ولا في نماذج الحكم الموجودة على الساحة".
وأضاف الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية: "إن مقترح الإخوان بإنشاء هذا المجلس لم يرد أيضا في شكل ولا مضمون كافة الأحزاب السياسية التي تنتمي للجماعة في الخارج، ولا حتى القريبة من الجماعة، كحزب العدالة والتنمية في تركيا والمغرب، وحزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن، وجبهة الإنقاذ في الجزائر".وقرر الدكتور ضياء رشوان أن مقترح إنشاء هذا المجلس يطيح بما لا يدع مجالاً للشك بكل الكلام الذي يروجه الإخوان عن المواطنة، كما ينسف هذا المجلس كلام الإخوان عن الديمقراطية وصفها ضياء بـ "المزعومة"، في ظل وجود هذا مقترح بهذا الشكل.
كما أشار رشوان إلى أن تعريف عالم الدين أو الفقيه الذي يختار في المجلس الأعلى للفقهاء وتكون له صلاحية المراقبة لم يكن محددا في البرنامج، وقال: "لم يحدثنا البرنامج عن العلماء الشيعة ووضعيتهم من هذا المجلس، وهل يقصدون بالعالم ذلك الذي ينتمي للمؤسسة الدينية الرسمية؟! وما توصيف العلماء من خارج هذه المؤسسة من وجهه نظرهم؟".
قفز على الديمقراطية
واعتبر الدكتور ضياء رشوان أن حديث الإخوان عن مجلس أعلى للفقهاء هو قفز على الديمقراطية؛ لأنها تمثل جهة رقابية سابقة لمؤسسات تشريعية كالبرلمان، وليست لاحقة، وقال: "هذه إجراءات قد تخالف الآليات المتعارف عليها فيما يتعلق بالديمقراطية، وهي تعكس في نفس الوقت الخطأ الذي وقع فيه البرنامج، وهو فكرة إحياء الدولة الدينية والتي يتحكم فيها رجال الدين، وليس الدولة المدنية كما حاول الإخوان إقناعنا بها في صدر برنامجهم من خلال المقدمة الطويلة في بدايته".
وأضاف رشوان: "البرنامج بصورته الحالية يستبعد أكثر من 60% من المصريين من فرصة تولي منصب رئيس الجمهورية أو الترشح لهذا المنصب من الأصل؛ ذلك لأن البرنامج يشترط أن من يتولى هذا المنصب أو يتقدم له لابد أن يكون مسلما ذكرا، وبالتالي فإن حوالي 51% من الشعب المصري لا يحق له التقدم لهذا المنصب؛ لأنهم حسب آخر تقديرات جهاز الإحصاء والتعبئة من النساء، مضافا لهم عدد تقريبا 9 % أقباط".
وأكد رشوان أن هذا يخالف اجتهادات أخرى لعلماء في قامة يوسف القرضاوي، وطارق البشري، ومحمد سليم العوا، ومحمد عمارة، فيما يتعلق بمنصب رئيس الجمهورية، حيث يعتبر كل هؤلاء هذا المنصب من الولايات الخاصة وليست العامة، في ظل توصيف الدولة المدنية، والتي توزع فيها الصلاحيات بين مؤسسات عدة، وتقريبا يكون منصب رئيس الجمهورية منصبا شرفيا، حيث لا ينفرد بالقرار.
وأنهى الدكتور ضياء رشوان حديثه بالتشكيك في أن الإخوان سيقومون بإجراء تعديلات على برنامجهم وفق ما طرحه هو وغيره من المفكرين بشأن ما رأوه من مناطق خلل في سطوره.
ثلاث ملاحظات

د. عمرو الشوبكي
من جانبه قال الدكتور عمرو الشوبكي - الخبير في شئون الحركات الإسلامية - : "إن البرنامج بلاشك يحمل إيجابيات وسلبيات، وأهم ما يتعلق بالجانب الإيجابي هو الشكل الذي خرج به البرنامج، وفكرة إرساله للمثقفين والسياسيين من خارج الجماعة، فهو شيء محمود، وأما على الجانب الموضوعي، فيحمد للبرنامج اتفاقه مع كافة قوى المعارضة على بعض القواسم المشتركة، منها: إطلاق الحريات العامة، وإلغاء قانون الطوارئ، وحق تكوين الأحزاب".
وأضاف الشوبكي: "ولكن يؤخذ على البرنامج ثلاث ملاحظات، تتعلق أولاها باستبعاد غالبية الشعب المصري من الترشح لمنصب رئيس الجمهورية، حيث استند البرنامج لتفسيرات فقهية ضيقة، متجاهلاً لتفسيرات أخرى حديثة للدكتور القرضاوي وآخرين، ممن لهم مصداقية داخل الجماعة، وينتمون لها في نفس الوقت".
أما الملاحظة الثانية فحددها الشوبكي في اقتراح البرنامج إنشاء مجلس أعلى للفقهاء أو لعلماء الدين، تكون له صلاحية مراقبة الحكومة المنتخبة من الشعب كله، في حين أن هذا المجلس لا يكون منتخبا إلا من مجموعة من العلماء، وتكون له صلاحيات أعلى من المجلس المنتخب من عموم الشعب، والذي يمثل القاعدة الأعم والأكبر.
الملاحظة الثالثة للدكتور عمرو الشوبكي كانت حول إقحام الإخوان في برنامجهم مفهوم المقدس والديني، وجعله في غير محله، فصبغوا الحزب بالصبغة الإسلامية، وأدخلوا الدين في أغلب فقراته دون حاجة لذلك، على حد قول الشوبكي.
رؤية قبطية
أما سامح فوزي – وهو باحث قبطي – فقد علق على برنامج حزب الإخوان قائلاً: "إن برنامج الإخوان تمتع بعدد من المميزات، منها: أن حديثه كان عن دولة قومية وليس عن كيان أممي، وهذه خطوة مهمة، فالبرنامج في بعض تفصيلاته يعكس المصرية، والتي يحتوي معها وفي أرجائها الحضارة الفرعونية والإسلامية والقبطية، وكافة الحضارات والقيم المصرية".
وأشار فوزي إلى أن المصرية إدراك أوسع من الطرح السابق للإخوان والفكرة السائدة لديهم سابقا، وهي فكرة الأمة الإسلامية، والتي يغلب عليها الإطلاقية، ولا تأخذ في اعتبارها أن هناك كيانات صغيرة، ولذلك فالبرنامج يعبر عن المصرية بحق.
وأخذ الباحث القبطي على البرنامج أنه لم يجتهد في حل إشكالية الولاية العامة، في حين هناك مدارس إسلامية أخرى اجتهدت وطرحت حلولاً لهذه الإشكالية في إطار الدولة القومية الحديثة، على سبيل المثال حزب الوسط (تحت التأسيس)، حيث طرح الحزب فكرة أن يتولى القبطي وأن تتولى المرأة رئاسة الجمهورية، على اعتبار أن ذلك من الولايات الخاصة في ظل دولة مؤسسات.
وأضاف فوزي: "إن هذا الطرح هو امتداد حقيقي لاجتهادات وضعها الدكتور محمد سليم العوا، والمستشار طارق البشري، واللذان ذهبا إلى أن رئاسة الجمهورية من الولايات الخاصة في دولة المؤسسات، وهذه الولايات لا يستطيع صاحبها أن يتصرف بمفرده، ويظل محكوما بضوابط مؤسسية وقانونية تحول دون انفراده بالسلطة، ومن هنا لا يهم أن يكون شاغل هذا الموقع مسلما أو غير مسلم، طالما أنه مواطن ويلتزم بالنظام العام".
تحت تهديد السلاح
من جانبها رفضت الكاتبة صافيناز كاظم التعليق على البرنامج، مقللة من قيمة هذا الطرح، ومناقشة مثل هذه الموضوعات، خاصة وأن الإخوان مضطهدون في كل مكان، وتنصب لهم المحاكمات العسكرية.
وقالت صافيناز: "إن من الصعب مناقشة برنامج للإخوان، وهم تحت تهديد السلاح، والمحاكمات والاعتقالات تجري لهم كل يوم وليلة"!!.
ولفتت صافيناز النظر إلى أن العبرة ليست فيما كتب الإخوان، ولكن تبقى في التطبيق والممارسة، فمن السهل تنميق الكلام وتزيينه.
البشري يرفض التعليق
حاولنا التعرف على رأي المستشار طارق البشري – المفكر ونائب رئيس مجلس الدولة المصري السابق – إلا أنه رفض التعليق على برنامج حزب الإخوان في هذا الوقت، وطلب التأجيل لعدة أيام، معللاً ذلك بأن البرنامج وصل إليه في وقت مبكر، إشارة منه إلى أنه كان من الذين تم أخذ رأيهم من قِبَل الإخوان في المسودات الأولى لبرنامج حزبهم.
المرشد يرد

أ. مهدي عاكف
من جانبه فإن الأستاذ محمد مهدي عاكف - المرشد العام للإخوان المسلمين – أوضح في تصريحات لعدة مصادر أن البرنامج تم وضعه وفق رؤية واختيار عقائدي، لا يمكن المساس بخطوطه العريضة والتي استند فيها علي العقيدة والشريعة واجتهادات الفقهاء الكبار وإجماع الأئمة.
وقال عاكف: "إن الإخوان قاموا بإرسال البرنامج للنخب والمثقفين لتجميع وجهات النظر المتعارضة والمختلفة مع الخط الأساسي للبرنامج، ومن ثم تقريب هذه الاختلافات أو على الأقل الاستفادة منها".
وفيما يتعلق بالمواصفات التي وضعها البرنامج لرئيس الدولة، قال عاكف: "إن هذا الاختيار جاء متوافقا مع الشريعة الإسلامية، وهو لا يتعارض في نفس الوقت مع المواطنة، فنحن قبل أن ننشغل بكسب رضى المفكرين والمثقفين عن برنامجنا، مشغولون أن يرضي هذا البرنامج ربنا".
وحول اقتراح البرنامج إنشاء مجلس أعلى للفقهاء له صلاحيات رقابية، وهو ما انتقده المفكرون، قال عاكف: "إن هذا المجلس استشاري، وهو عبارة عن هيئة منتخبة، حتى لا تصدر تشريعات وقوانين مخالفة للنصوص وما استقر علية الدين، وتسري قراراته على كافة المؤسسات الأخرى المنتخبة".

برنامج الإخوان .. وثيقة دخول للمأزق






خليل العناني من اسلام اون لاين





"لأول مرة منذ ثمانين عاما تطرح جماعة الإخوان المسلمين في مصر برنامجا حزبيا"، بهذا يفتتح الباحث خليل العناني - الباحث في شئون الحركات الإسلامية - بحثه عن برنامج حزب الإخوان المسلمين، معتبرا إرسال البرنامج للنخب بادرة إيجابية لإثبات حسن النية، لكن هذا لم يمنعه أن يرى في طريقة إذاعة البرنامج أنه قد تخللها لبس، حيث تم تمرير البرنامج بسرية تامة إلا من تسريبات هنا وهناك، وكان الأجدر أن يتم إعلان البرنامج على أصحابه الأصلاء: الشعب المصري، بنخبه وعوامه، عن طريق مؤتمر صحفي عام، ويصبح للجميع حق الإشادة أو حق التحفظ.
يرى العناني البرنامج أول وثيقة إخوانية تصدر بشأن حزب سياسي، وما عدا ذلك مجرد إعلان نوايا بأوراق سياسية لم تكتمل، وبالتالي صار للإخوان في رأيه معيار للاحتكام والمساءلة، ومؤشر للتطور واقتحام الحواجز.
الوثيقة ليست نبتا عفويا، بل يدفعها تاريخ من التجريب السياسي كما تؤكده الدراسة، بدأ بقرار الإخوان بدخول مجلس الشعب عام 1984، عبر حزب الوفد، حيث بزغت أولى قناعات العمل الحزبي، وضرورة تأسيس حزب من أجل التكامل والشمول، بحسب عمر التلمساني، الذي ترجم هذه الرؤيا عام 1986 في حزب الشورى، ثم تجددت في أوائل تسعينيات القرن الماضي مع حزب الإصلاح، لحقها محاولة الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح التي أحيطت بالسرية، ثم حزب الأمل لصاحبه محمد السمان، والخامسة والأخيرة مشروع حزب الوسط الذي أثار جدلاً وانشقاقا.
ثم جاءت المحاولة الأخيرة في منتصف يناير 2007، حين أعلن المرشد العام للإخوان المسلمين محمد مهدي عاكف عن نية الجماعة تأسيس حزب سياسي، وصفها العناني بأنها أقرب لرد الفعل على حملة التصعيد التي تعرضت لها الجماعة عقب أحداث جامعة الأزهر، أكثر من كونها تعبيرا عن مراجعة فكرية بضرورة وجود حزب سياسي يعبر عن الجماعة ويحقق طموحاتها السياسية، مشيرا إلى أنه في الغالب قد تلقى هذه المحاولة مصير ما لقيته سابقاتها.
ملاحظات شكلية وموضوعية
وفي تقييم الباحث للبرنامج قال: "يكاد يكون البرنامج أقرب لوثيقة "دينية" إرشادية (وعظية) أكثر من كونه برنامجا سياسيا برجماتيا، فهو إذ يستعرض الواقع المأزوم الذي تعيشه البلاد، يحاول ترسيخ فكرة "الحل الإسلامي"، بصيغته الفضفاضة، وليس من خلال رؤية سياسية "مدنية" واقعية".
وقد أوضح العناني ذلك من خلال بعض الملاحظات الشكلية منها:
- تصدير البرنامج بديباجة إنشائية تشرح الوضع المأزوم، وهو ما يعطي انطباعا بأن بقية البرنامج سيركز على تشخيص الواقع دون طرح رؤية واقعية لكيفية معالجة هذه الأوضاع المأزومة التي تعيشها مصر.
- تداخل المبادئ والسياسات وطرق المعالجة، عكس قدرا من التخبط وغياب الرؤية المتكاملة.
- عدم التوازن بين التعميم والتفصيل بين بنود البرنامج.
- هيمنة منطق الاحتراز والتحوط والتخوف من الوقوع في المحظور.
- الإفراط في استخدام مفاهيم واصطلاحات ليست محل خلاف، مثل: الحرية والعدالة والمساواة، التي جاءت غير واضحة، والشورى ومدى ارتباطها بالديمقراطية، والدولة المدنية ... إلخ.
وعن الملاحظات الموضوعية على البرنامج قال الباحث: "بدا حشر المادة الثانية من الدستور المصري التي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع ملفتا للنظر، فلا مبرر من الانطلاق من عنصر راسخ في الدستور".
ومن الملاحظات الموضوعية التي أخذها العناني على البرنامج:
- اهتم البرنامج بالإصلاح السياسي والدستوري، وكان الأجدر أن تتم إضافة "الإصلاح الديني" كمنطلق أساسي لبقية جوانب الإصلاح.
- سيطرة سمة التردد والغموض على بنود الحزب.
- تبدو الأهداف التي وردت في برنامج الحزب كما لو كانت تجميعا لشتات من الأمنيات الشاردة التي وُضعت في قالب واحد فانكشف نشازها، واتسامها بقدر من العمومية والتبسيط، يسهل على أي تجمع أو تنظيم سياسي أو أهلي أن يضعها كأهداف عامة لبرنامجه.
- خلا برنامج الحزب من الإشارة للوصول إلى السلطة، مع أنها هدف رئيسي لأي حزب سياسي.
- أي برنامج حزبي لا بد أن ينصرف إلى الجوانب العملية البراجماتية "برنامج سياسي مدني"، بعيدا عن مظلة السلوكيات والأخلاق، إلا أن برنامج حزب الإخوان انشغل في أهدافه بالتأكيد على نشر وتعميق الأخلاق والقيم الحقيقية لمبادئ الإسلام.
السياسات والإستراتيجيات
وفي تعليقه على الجزء الخاص بالسياسات والإستراتيجيات في برنامج حزب الإخوان، يقول الباحث: "هذا القسم يمثل حجر الزاوية في تقييم البرنامج الحزبي للإخوان؛ ذلك أنه يحدد طبيعة التفكير السياسي السائد داخل الجماعة، وقد عبر بشكل وافٍ عن مدى ضعف الخيال والتنظير السياسي داخل الجماعة، حيث يلاحظ أن البرنامج يرتكن إلى مقاصد الشريعة الإسلامية، وهو أمر يحتاج جهدا طائلاً من الجماعة لفهم وتقنين منهج المقاصد، ولا أظن أن الجماعة لديها الوقت للقيام بذلك".
ويتابع العناني: "كما أن النص على حماية مقاصد الشريعة يعني أن أحد أهداف الحزب الرئيسية تطبيق الشريعة، وهو هدف مسكوت عنه في البرنامج بشكل يبدو متعمدا، وكان الأولى الإعلان عن ذلك صراحة كما فعل حزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن".
ويرى الباحث أن تأكيد الحزب على ضرورة تطبيق مرجعية الشريعة الإسلامية من خلال هيئة كبار علماء الدين يدشن لإقامة حكم ثيوقراطي يسلِّم رجال الدين أعنة السلطة، مما يضعنا أمام نخبة شيعية للحكم، أقرب إلى النموذج الإيراني القائم على ولاية الفقيه.
الدولة والنظام السياسي
وعن الدولة والنظام السياسي، يشير البرنامج إلى أن الإسلام رسخ نموذجا للدولة، وهو قول مردود عليه، فالإسلام لم يفرض نموذجا محددا للدولة، ولم يرد في القرآن أو السنة نصا يحدد ملامح هذه الدولة ونظامها السياسي، وكان أجدر بالجماعة أن تراجع أدبيات الحركة الإسلامية في هذا المجال، ومنها حزب العدالة والتنمية.
ويرى الباحث أن هناك استخداما عشوائيا لمصطلحات خصائص الدولة وفقا للتصور الإسلامي، فتعريف الدولة بأنها دولة مواطنة هو تعريف فضفاض لا يجيب على أسئلة كثيرة مطروحة على الجماعة، مثل تولي المرأة أو النصراني منصب رئاسة الدولة، بوصفهما مواطنين مصريين.
أما الدولة الدستورية حسبما يحددها البرنامج، فهي تتعارض شكلا وموضوعا مع ما طرحه البرنامج في بند الأسس والإستراتيجيات حين تحدث عن إقامة هيئة علماء.
وفي البرنامج خلط كبير بين مفهوم الشورى والديمقراطية، ويتساءل العناني: ما هي قواعد الشورى التي يمكن تطبيقها في شئون إدارة الحكم، وإذا كان لا فرق بين المفهومين - حسب الجماعة - فلماذا الإصرار على استخدام مصطلح الشورى بدلاً من الديمقراطية؟.
وتمنى الباحث على الجماعة قراءة ما كتبه أقرانهم في هذا المجال، أمثال راشد الغنوشي، وحسن الترابي، وسعد الدين العثماني، أو ما اجتهد فيه علماء مثل يوسف القرضاوي، وطارق البشري، وسليم العوا.
ويتوقف الباحث عند "الوظيفة الدينية" التي تحدث عنها البرنامج قائلاً: "ابتكر العقل الإخواني وظائف جديدة للدولة المدنية، وهي "الوظيفة الدينية" وهذا المصطلح يبعث في النفس هواجس كثيرة، إذ سيرسخ استخدام هذا المصطلح في الأذهان أن الإخوان يسعون إلى تأسيس حزب ذي "مرجعية دينية" وليست "إسلامية"، كما أنه بالنظر إلى الوظيفة الدينية تبدو الصورة قاتمة للغاية، فالبرنامج يحدد الوظيفة "الدينية" الأولى للدولة الإسلامية في حماية وحراسة الدين، وفيها يقرر البرنامج ضرورة حماية الدولة الإسلامية لممارسة العبادات، وإزالة ما يعترضها، وأن يقوم رئيس الدولة ورئيس الوزراء بالتأكد من تحقق ذلك!! وهو ما يدفع ضمنا لتفعيل مبدأ "الحسبة".
وتأكيد البرنامج على أنه لكي يكون رئيس الدولة ورئيس الوزراء قادريْن على تفعيل مبدأ "الحسبة" فلا بد من أن يكونا عالمين بأمور الدين؛ حتى يمكن لأي منهما تطبيقها، ويعفي البرنامج غير المسلم من هذه المهمة على اعتبار أنه غير متفقه في الدين، وبالتالي لن يحق لأي شخص غير متفقه في الدين الترشح لهذين المنصبين، ولن يحق لأي شخص خارج المؤسسة الدينية تولي هذين المنصبين.
ويؤكد الباحث أن الجماعة في حديثها عن النظام السياسي حاولت التخلص من عيوب النظام السياسي القائم في مصر، بإزالة كافة القيود التي تعترض طريق الجماعة في ممارسة العمل السياسي، سواء من حيث منظومة الحريات (أحزاب، صحافة، إعلام) أو من ناحية المحاسبة والمساءلة وتصفية ملفات الفساد، أومن حيث إنهاء احتكار الحزب الحاكم للسلطة، وإجراء انتخابات حرة نزيهة.
السياحة والاقتصاد
وتنتقد الدراسة وضع نص في البرنامج يفرض على السياح احترام وعادات وتقاليد الشعب المصري، أو التعرف على ضوابط الشريعة الإسلامية قبل أن تطأ أقدامهم أرض مصر، وتتساءل الدراسة: كيف سيضمن الإخوان عدم انتهاك الأجانب للسلوك الإسلامي؟.
ووصف الباحث مصطلح "مرجعية النظام الاقتصادي الإسلامي" بالحجر الأصم الذي تم حشره كي يتناغم مع مصطلحات "وظائف دينية" و"دولة إسلامية" و"مرجعية مقاصد"... إلخ.
وينتقد العناني إلغاء البورصة وسوق الأوراق المالية دون وضع بديل، كما أن رفض سعر الفائدة كنظام لإدارة الأصول والأرباح يتطلب وضع أداة بديلة عملية ومناسبة يمكن التعاطي من خلالها مع مسائل الادخار والاستثمار.
وحول تنفيذ الحدود في العقوبات التي وردت في البرنامج، يتساءل الباحث: هل الظروف الحالية ملائمة لتفعيل نظام الحدود؟ وكيف يمكن تكييف العلاقة القضائية بين نظام الحدود والقوانين المدنية الحديثة؟.
استخلاصات
وخلص الباحث إلى مجموعة من الاستخلاصات، منها:
- البرنامج لا يتلاءم مع التاريخ الطويل للإخوان.
- أبرز البرنامج غموض الفكرة الديمقراطية لدى الإخوان، كما كشف غياب المشروع الفلسفي (التنويري) لدى الجماعة، والاهتمام بالفرعي على حساب الجوهري.
- كان الأجدى للإخوان أن يكون البرنامج شعبيا لا نخبويا.
- يبدو البرنامج خليطا من أفكار ورؤى جامدة، وهو ما يشكل صعوبة في تسكين الحزب الإخواني ضمن نموذج للتيار الإسلامي، حيث يتراوح النموذج بين نموذجين كلاهما أسوأ من الآخر، هما النموذج الإيراني (بالحديث عن ولاية الفقهاء)، ونموذج طالبان (بتطبيق مبدأ الحسبة)، وكنا ننتظر نموذجا يقترب من نموذج رجب طيب أردوغان في تركيا.
وطالب الباحث الإخوان بدفع فاتورة تأسيس حزب سياسي، من خلال القيام بعمل إصلاحات جذرية في الجماعة من أجل تحويلها من جماعة دينية (دعوية) حسبما تؤمن بذلك شريحة واسعة من أعضائها، إلى جماعة سياسية بحتة لا مكان فيها للوعظ والإرشاد، مطالبا الجماعة بتطوير التراث الموروث عن الإمام حسن البنا، وإعادة تقديمه بشكل يتناسب مع واقع وظروف عام 2007، بدلاً من الوقوف عند عام 1938 الذي شهد التأسيس الحقيقي للجماعة في مؤتمرها الخامس.
سيناريوهات محتملة
وأخيرا تضع الدراسة عددا من السيناريوهات للعلاقة بين الحزب والجماعة:
السيناريو الأول: التحول كليا إلى حزب سياسي، مع وجود جمعية أهلية تمارس دورا اجتماعيا واقتصاديا، ليس لها علاقة بالحزب، وهذا السيناريو يلقى تأييدا من التيار الإصلاحي داخل الجماعة، وهو تيار ضعيف.
السيناريو الثاني: أن تظل الجماعة جسدا برأسين ؛ بتأسيس حزب يكون جزءا من الجماعة، وليس مفصولا عنها، وذلك بشكل مؤقت إلى أن تصبح هناك حياة ديمقراطية سليمة في مصر، حينئذ يمكن أن تتحول الجماعة كلية إلى حزب.
السيناريو الثالث: حزب من داخل الجماعة - على غرار التجربة الأردنية - بحيث يكون الحزب جزءا من الجماعة وبشكل مستمر ودائم، كما لو كان ذراعها السياسي، وهذا السيناريو تؤيده غالبية القيادات المحافظة في الجماعة.
وهناك سيناريو بديل للسيناريوهات السابقة، وهو سيناريو حزب العدالة والتنمية المغربي الذي انبثق عن جمعية التوحيد والإصلاح المغربية عام 1998، حيث تمر الجماعة بمرحلة انتقالية تبدأ بصيغة جمعية أهلية، إلى أن يتم تغيير البنى الفكرية والتنظيمية والهيكلية للجماعة، بحيث يصبح أعضاؤها مؤهلين للانخراط في بناء حزب سياسي على أسس مدنية وليست دينية، وحتى حدوث مثل هذه الانفراجة يمكن للجماعة العمل على تأهيل و"تسييس" أعضاءها كي يصبحوا أكثر قدرة على إدراك كلفة العمل السياسي بأبعاده النظرية والعملية.

هل تراجع الإخوان؟ بقلم الدكتور رفيق حبيب


04 / 10 / 2007
أظن أن حالة الجدل حول برنامج الإخوان، سوف تكون في النهاية مرحلة مهمة للجماعة وللمناخ السياسي العام، فالجدل حول الأفكار والبرامج يخرجنا من الحديث حول الصراعات السياسية الحادثة، للحديث عن أفكار للمستقبل. وما قدمته جماعة الإخوان المسلمين، يقترب من المسودة الكاملة للقضايا التي يثيرها تطبيق المشروع الإسلامي في الوقت الراهن.
وحول ما طرحته الجماعة من أفكار، نحتاج لجدل مثمر يصل بنا لتصورات جديدة، ويثري فكر الجماعة، كما يثري الفكر السياسي بالقضايا الأساسية للمشروع الإسلامي، باعتباره أحد الأطروحات الهامة في الحياة السياسية في البلاد العربية والإسلامية.
صحيح أن الكثير من الجدل دار حول الهجوم على البرنامج وعلى نقاط معينة فيه، مما يؤثر سلبا على حالة الحوار المطلوبة، ولكن حالة الجدل في نهاية الأمر، تكشف في الواقع عن العديد من المشكلات في فكرنا السياسي، خاصة تلك المشكلات المرتبطة بالمفاهيم السياسية المتأثرة بالتجربة السياسية الغربية، وتلك المرتبطة بالمشروع السياسي العلماني الغربي، خاصة عندما تقارن بالمفاهيم السياسية الخاصة بالمشروع الإسلامي.
ومن أهم تلك المشكلات في تصورنا، تلك التي ظهرت في بعض العبارات المستخدمة لنقد برنامج الإخوان المسلمين، والمتمثلة في القول بأن ما حدث هو عودة للخلف، وأنه ردة، وانتكاسة كبرى، ودخول في النفق المظلم، وغيرها من التعبيرات. والحقيقة أنني تساءلت عن معنى العودة للخلف، وما هو الأمام إذن، وكيف يتجه الفرد للأمام، ويتجنب الرجوع للخلف. ففي هذه التعبيرات العديد من الدلالات المهمة، والتي تكشف لنا في الحقيقة عن أزمتنا السياسية، وأزمة فكرنا السياسي.
فالآراء التي اتهمت جماعة الإخوان المسلمين بالعودة للخلف والتراجع، قامت على نقد البعد الإسلامي في البرنامج، واعتبرت أن الصياغة ذات المدلول الديني، وكذلك الحديث عن دور للعلماء في التشريع، رغم أنه دور استشاري، وقالت بعض الآراء أنه أكثر من كونه دورا استشاريا، وهذا غير حقيقي، والحديث عن الوظائف الدينية للدولة، والتي تتمثل في مهام يقوم بها رئيس الدولة، كل هذا وغيره يمثل عودة للخلف. وهنا علينا ضبط المعيار، فالتقدم للأمام يتمثل في طرح أراء جديدة، ويمكن القول بأن برنامج الإخوان لم يأت برأي جديد، بل طرح رؤيتهم المتفق عليها في صوره متكاملة، وهذا غير دقيق. ولكن المشكلة أن المقصود بالتراجع، كان يعني في رأي المنتقدين، التراجع عن الديمقراطية والدولة المدنية، والعودة للدولة الدينية. ولكن جماعة الإخوان لم تدعو في يوم من الأيام للدولة الدينية، لأنها فكرة تتعارض مع الإسلام نفسه، وهي فكرة مرفوضة تاريخيا وعلميا. وبالتالي مازالت جماعة الإخوان ملتزمة بالدولة الإسلامية، وهي بالتعريف المتفق عليه تاريخيا، دولة مدنية. فهل تراجع الإخوان عن الديمقراطية؟
الواضح من قراءة نص البرنامج، أنه في الغالب الأعم أكد على مختلف آليات العمل الديمقراطي، بصورة كلية وصورة جزئية وتفصيلية، وهو ما يعني أن البرنامج يمثل التزاما من الجماعة بكل آليات العمل الديمقراطي، وتأكيدا على أن الشورى تتحقق من خلال آليات العمل الديمقراطي، مما يعني أن الالتزام بالشورى يؤدي إلى التزام بالديمقراطية. وكل هذا يؤكد على أن الجماعة تتمسك بفكرة تطبيق النموذج الإسلامي السياسي من خلال آليات العمل الديمقراطي. وهنا نلمح من يقول بأن تلك الديمقراطية ناقصة، ونقصانها يعني أن الجماعة تراجعت للوراء.
ولكن ما هي الديمقراطية الناقصة؟ هي في الواقع الديمقراطية التي لا تسمح بتحقيق أن الأمة مصدر السلطات، وأنها هي التي تنتخب من تريد، وهي التي تحاسب وتساءل من تنتخبه. والبرنامج أكد على هذه المعاني بوضوح، ولكن البعض يرى مثلا أن قصر منصب رئيس الدولة على أفراد بخصائص محددة هو ضد الديمقراطية، وهذا غير دقيق، ففي كل مشروع هناك شروط لمن يتولى رئاسة الدولة، وتلك الشروط يعرضها كل تيار سياسي، ويختار على أساسها، والقرار النهائي يكون للناس.
والمشروع الإسلامي برمته، لا يمكن تطبيقه دون إجماع الناس عليه، وعندما تجمع الناس على ذلك المشروع، وتنتخب من يمثل هذا المشروع، إذا أجريت انتخابات نزيهة، يصبح اختيار المرجعية الإسلامية، قرارا شعبيا من خلال الانتخابات
وهنا علينا التفرقة بين رأي التيار السياسي، وآلية العمل السياسي. بمعنى أن لكل تيار رأيه، ولكن على كل التيارات الاتفاق على آلية الديمقراطية، بوصفها القاعدة المنظمة للعمل السياسي. وبهذا يكون المعيار الصحيح للحكم على برنامج الإخوان، من حيث قدرته على التكيف مع آليات العمل الديمقراطي وجعلها وسيلة لتحقيق الشورى التي يؤمن بها، تتمثل في ما حققه من ترسيخ لحق الأمة كمصدر وحيد للسلطات. وهذا الأمر تحقق بنسبة كبيرة، ولكن بسبب الشبهات التي تثار حول المشروع الإسلامي، ربما يحتاج الأمر بعض التأكيد.
فمشروع الجماعة يقدم رؤيتها ولا يفرض هذه الرؤية على أحد، ولا يفرضها على التيارات السياسية الأخرى، ولا يفرضها على النظام السياسي القائم، وبالتالي لا يفرضها على الناس. وهنا يكون البرنامج قد حقق الشروط الديمقراطية، وأكد على مدنية الدولة، وترك الحرية للناس للاختيار بين البدائل السياسية. ومع ذلك نرى من يقول بأن دور العلماء الاستشاري ووظائف الدولة الدينية(حراسة الدين)، تؤدي إلى هدم الديمقراطية. وهذا أمر غير حقيقي، لأن لكل تيار تصوره عن دور الدولة، والمهم أن تظل الدولة وكيل عن الأمة، وتظل الأمة قادرة على محاسبة الدولة. وهنا تبرز مشكلة حقيقية، أن بعض الآراء تعتبر التقدم والتراجع مقاسا على الديمقراطية والمدنية القائمة على العلمانية، أي فصل الدين عن الدولة.
وبرنامج الإخوان يقوم بالطبع على ربط الدين كمنظم أعلى للشأن العام والسياسي بالدولة. وهنا تبدو بعض الآراء، وكأنها ترى أن البرنامج قد أبعد جماعة الإخوان عن القبول الجزئي بالعلمانية، وبهذا تراجع الإخوان عن قبول العلمانية جزئيا، ولكن من قال أصلا أن الجماعة كانت بصدد قبول العلمانية جزئيا! الحقيقة أن الجماعة لم تتراجع عن موقفها بجعل آليات العمل الديمقراطي هي القواعد المنظمة للعمل السياسي.

الإخوان في برنامج حزبهم.. ظالمون ومظلومون بقلم / الاستاذ فهمى هويدي



03 / 10 / 2007
آثار برنامج الحزب الذي أعلنته جماعة الإخوان المسلمين في مصر تعليقات كثيرة، خصوصاً أن مشروع البرنامج وزع على عدد غير قليل من aالمثقفين لإبداء الرأي فيه، قبل أن يصدر في صيغته النهائية. وفي حدود ما نشر حتى الآن في مصر على الأقل، فإن الأغلبية الساحقة من التعليقات جاءت سلبية، حيث وجهت سهام النقد إلى البرنامج في ثلاثة مواضع هي: النص في البرنامج على هيئة من كبار العلماء يجب ان تستشيرها السلطة التشريعية فيما تصدره من قوانين الأمر الذي اعتبره البعض تكريساً لفكرة الدولة الدينية الموقف من الأقباط ـ الموقف من المرأة. وبالتركيز على هذه النقاط فإن التعليقات في مجموعها ثبتت من الصورة النمطية التي تشكلت في الأذهان، عن الحركات الإسلامية التي يساء الظن بمشروعها دائماً من قبل البعض، ولا يكاد يذكر لها اسم إلا وتتهم في هذه المواضع الثلاثة.
النقطة الأولى استأثرت بالاهتمام الأكبر سواء من جانب الذين لا يرون في المشروع الإسلامي إلا استنساخا للدولة الدينية في الخبرة الأوروبية، ومن ثم فإن لديهم أحكاما راسخة مسبقة في هذا الصدد، ليسوا على استعداد لتغييرها، أو من جانب بعض العقلاء الذين قرأوا البرنامج قراءة متعجلة، وصدمتهم الإشارة إلى هيئة كبار العلماء والدور المنوط بها، فاصطفوا مع الناقدين، ووجهوا سهامهم بدورهم إلى البرنامج، منددين بموقفه ومحذرين من انزلاق الجماعة نحو تبني فكرة الدولة الدينية. وكانت النتيجة أن اجتمع على نقد البرنامج والتشهير به المغرضون وبعض المخلصين، برغم اختلاف ودوافع ومقاصد كل منهما.
في الأسبوع الماضي نشرت على هذه الصفحة مقالة قدمت نموذجاً لما نتحدث عنه، كان محورها وعنوانها هو: دولة الإخوان الدينية في مصر. وقد حدد كاتبها موقفه مقدماً حين ذكر في البداية أن الجمع بين الدين والدولة فاشية من نوع جديد وحين دخل في الموضوع قال إن برنامج الإخوان مزق إرباً كل المفاهيم المتعلقة بالدولة المدنية، وأقاموا مكانها دولة دينية، تستبعد غير المسلمين من الوظائف العامة، وتقيم هيئة دينية لها المرجعية العليا في القرار، على الأقل في الأمور قطعية الثبوت والدلالة.
هذه الفكرة عبر عنها أكثر من تعليق، بأساليب اختلفت باختلاف موقف كل كاتب، وجميعهم استندوا إلى نص ورد في الفصل الخاص بالسياسات والاستراتيجيات من البرنامج يقرر أن مرجعية الشريعة الإسلامية تطبق بالرؤية التي تتوافق عليها الأمة، من خلال الأغلبية البرلمانية في السلطة التشريعية المنتخبة انتخاباً حراً.. ويجب على السلطة التشريعية من ذوي الخبرة والعلم في سائر التخصصات.. ويسري ذلك على رئيس الجمهورية عند إصداره قرارات بقوة القانون في غيبة السلطة التشريعية.. ويكون للسلطة التشريعية في غير الأحكام الشرعية القطعية القرار النهائي بالتصويت بالأغلبية المطلقة على رأي الهيئة. ولها أن تراجع الهيئة الدينية بإبداء وجهة نظرها فيما تراه أقرب الى تحقيق المصلحة العامة».
هذا النص أثار دهشتي، لأنه يبدو غريباً على خطاب الإخوان، الذي خلا في كل أطواره من الإشارة الى مسألة السلطة الدينية. بل إن الحركة ذاتها لم تجسد هذه الفكرة على مدار تاريخها، إذ باستثناء مؤسسها الشهيد حسن البنا الذي كان من خريجي كلية دار العلوم، فإن مرشديها الستة الذين تعاقبوا بعد البنا لم يكن أحد منهم من علماء الدين، فثلاثة منهم كانوا من خريجي كليات الحقوق (حسن الهضيبي وعمر التلمساني ومأمون الهضيبي) والرابع من خريجي كلية العلوم (مصطفى مشهور) والخامس من ملاك الأراضي الزراعية (حامد أبو النصر) والمرشد الحالي محمد مهدي عاكف من خريجي المعهد العالي للتربية البدنية. حتى مكتب إرشاد الجماعة ظل 90% من أعضائه من المهنيين والتكنوقراط، ولم تزد نسبة الأزهريين فيه على 10% طيلة نصف القرن الاخير.
المفاجأة الأكبر وقعت حين راجعت نسختين لبرنامج حزب الإخوان، الأولى أشير إلى أنها «الإصدار الأول»، وقد وزعت على عدد محدود من الباحثين في شهر أغسطس الماضي. وهي والثانية ـ جرى التنويه إلى أنها «القراءة الأولى» ـ التي وزعت في شهر سبتمبر الفائت على عدد أكبر من المثقفين. إذ اكتشفت أن «الإصدار الأول» خلا من كل الإشارات التي أثارت اللغط والجدل. ولم أكن بحاجة إلى بذل جهد لملاحظة أن لغة «الإصدار الأول» اختلفت عنها في «القراءة الأولى»، وأن النسخة الأولى كان واضحا فيها تأثير المتمرسين بالعمل السياسي، في حين النسخة الثانية وضحت فيها بصمات المنشغلين بالدعوة، الذين يعانون من ضعف الإدراك السياسي، وإذا صح ذلك فإنه يكشف ربما لأول مرة في العلن عن وجود تيارين على الأقل داخل قيادة الجماعة، أحدهما إصلاحي منفتح والثاني محافظ ومنغلق. ويبدو أن كفة التيار الثاني هي الأرجح في دائرة القرار، بدليل أن عناصره استطاعت أن تضيف رؤيتها وتفرضها في النسخة الثانية من البرنامج التي وزعت على نطاق واسع، وحملت عنوان «القراءة الأولى». وفيما علمت فإن الإصلاحيين فوجئوا بإضافات المحافظين على البرنامج، الأمر الذي يدعونا الى القول بأن الرؤية السياسية داخل الجماعة لم تنضج بعد، وأن الحوار بين قياداتها مطلوب لبلورة تلك الرؤية، قبل إجراء الحوار مع المثقفين ونخبة المجتمع الذين وزع عليهم البرنامج.
تسوغ لي هذه الخلفية أن أدعي بأن الإخوان في البرنامج بدوا ظالمين ومظلومين في الوقت ذاته. هم ظالمون لأنه أساءوا التعبير عن أنفسهم، وقدموا صيغة لبرنامج وفر للمتصيدين ذخيرة استخدموها في تخويف الرأي العام وإثارة النفور من الجماعة. وقد سبقت الإشارة إلى أن أصدقاءها المتفهمين لأوضاعها وجدوا أنفسهم مدفوعين إلى التنديد بالبرنامج. وكانوا محقين لدرجة كبيرة فيما ذهبوا إليه. وإذا سألتني لماذا هم مظلومون فردي أن ذلك راجع إلى أمرين: الأول أن النصوص التي انتقدت في البرنامج لم تكن بالتعاسة التي صورت بها، والثاني أن تلك النصوص التي استأثرت بالاهتمام حجبت نقاطا ايجابية في البرنامج لم يلتفت إليها أحد.
خذ مثلاً فكرة هيئة كبار العلماء التي أثيرت من حولها الضجة الكبرى، وأعتبرها فكرة ساذجة لا لزوم لها في الدولة الإسلامية المفترضة، لأن إعداد القوانين في أي دولة ديمقراطية يمر بقنوات ولجان تتحقق من صوابها من جوانب عدة، داخل البرلمان أو مجلس الدولة، ولا حاجة لتأسيس كيان جديد من خارج تلك المؤسسات للقيام بمهمة عدم تعارض القوانين مع الشريعة. مع ذلك فليس صحيحاً أن قرار هذه الهيئة المقترحة ملزم، كما أنها لا تمثل مرجعية عليا في شيء، كما ادعى البعض. فالنصوص واضحة في أن رأي الهيئة استشاري، والمجلس النيابي المنتخب هو السلطة الوحيدة التي لها حق إصدار التشريعات، وللمحكمة الدستورية العليا سلطة الفصل فيما إذا كان القانون مطابقاً للدستور أم لا، بما في ذلك مادته الثانية المتعلقة بمرجعية الشريعة للقوانين، وهو النظام المعمول به حالياً في مصر.
خذ أيضاً الموقف من الأقباط، الذي جرى التعسف في تفسيره على نحو يصعب افتراض البراءة فيه، حين ذكر كاتب مقال الأسبوع الماضي الذي سبقت الإشارة إليه أن البرنامج يستبعدهم من تولي الوظائف العامة، واستطرد مشيرا إلى أنه « يكاد» يستبعدهم من حق الدفاع عن الوطن، الأمر الذي يفتح الباب لعودة فكرة الجزية مرة أخرى. وهو أسلوب في النقد مسكون بالتضليل والتدليس. ذلك أن الإشارة إلى غير المسلمين وحظوظهم من الوظائف العامة وردت في الجزء الخاص بمدنية الدولة، الذي تحدث صراحة عن أن تولي الوظائف في الدولة الإسلامية يتم على أساس من الكفاءة والخبرة. وسبقته إشارات أخرى إلى أن المواطنة هي الأساس وأن جميع المواطنين سواء في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الدين والجنس. غير أن معدي المشروع استثنوا منصبي رئيس الدولة ورئيس الوزراء من الوظائف التي يتولاها غير المسلمين، واستندوا في ذلك إلى أن للدولة الإسلامية وظائف دينية، يعفى منها غير المسلم وقد يسبب القيام بها حرجاً عقيدياً له. وأرادوا بذلك أن يسوغوا استئثار المسلمين بهذين المنصبين فقط. وهو ما يعني أن ما قيل عن حرمان غير المسلمين من تولي الوظائف العليا لا أساس له من الصحة، وأن حكاية الحرمان من الوظائف العسكرية والعودة الى نظام الجزية، هي من قبيل الاختلاف الذي أريد به التشويه لا أكثر.
بالمناسبة فإن فكرة الاحتفاظ بمنصب رئاسة الدولة لأتباع دين معين ليست بدعة في الدساتير الحديثة. إذ هي موجودة في اليونان والدنمارك وإسبانيا والسويد وانجلترا وبعض دول أمريكا اللاتينية. أما إضافة منصب رئيس الوزراء، وقصره على المسلمين دون غيرهم، فهي من أصداء الفكر التقليدي المحافظ الذي عبر عنه الماوردي في «الأحكام السلطانية»، حين فرق بين وزير التفويض (الذي يقابل رئيس الوزراء) ووزير التنفيذ، واشترط الإسلام في الأول دون الثاني. وهي الفكرة التي تم تجاوزها عند الباحثين المسلمين المعاصرين، الذين اعتبروا أنه لا وجه للمقارنة بين وزير التفويض في الازمنة القديمة وبين رئيس الوزراء في زماننا. حتى رئاسة الدولة التي يميل أغلب الفقهاء والباحثين على أن تبقى للمسلمين في الدولة الإسلامية، هناك أكثر من اجتهاد بصددها. حيث يذهب كثيرون ـ منهم الدكتور يوسف القرضاوي ـ أن ذلك لا يحول دون حق غير المسلم للترشح لهذا المنصب.
أما موضوع المرأة، فالبرنامج لم يعترض على توليها الوظائف العامة، وإنما دعا إلى حوار يحدد التفاصيل، بحيث يتم التوصل فيه إلى «توافق مجتمعي تشارك فيه المرأة والرجل بالرأي والقرار» ـ في حين ارتأى واضعو البرنامج ضرورة الاحتفاظ بمنصب رئيس الدولة وحده للرجل، لأن أعباءه لا تناسب المرأة. وهي مسألة اجتهادية لم تحسم تماماً في أوساط الباحثين المسلمين.
فضلاً عن ذلك فإن البرنامج لم يخل من إشارات إيجابية، تمثلت في أمور عدة منها ما يلي:
ـ رفع التناقض بين الشورى والديمقراطية، واعتبار أن الديمقراطية بمعنى المشاركة والمساءلة هي من صميم الشورى.
ـ تأكيد أهمية تداول السلطة ـ تأكيد مدنية الدولة ـ التمسك بالتعددية السياسية مع إطلاق تشكيل حرية الأحزاب دون اشتراط موافقة السلطة
ـ الدعوة إلى إقامة الوحدة العربية قبل التوجه إلى الوحدة الإسلامية.. وفي ذلك تفصيل كثير، لا مفر من الاطلاع على نص البرنامج للوقوف عليه.